عديدة هي الكتب الصادرة باللغة الانكليزية التي جعلت من إيطاليا وتاريخها القديم والحديث موضوعا لها. ومن أواخر الكتب التي صدرت في هذا الإطار كتاب الباحثين الإيطاليين «دافيد فورغاك» و«ستيفن غوندلي» بعنوان: «الثقافة الجماهيرية والمجتع الإيطالي».

تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية هي بالتتالي: «الاستهلاك الثقافي والحياة اليومية»، وهو مكرّس للحديث عما يسميه المؤلفان بـ «أنماط الاستهلاك» ولمحور آخر يتعلق بـ «الممارسات الذاتية».

وعنوان القسم الثاني هو «الصناعات الثقافية والأسواق»، وهذا القسم مكرس للحديث عن «نشر الكتب» والمجلات والإنتاج السينمائي وأيضا عن «سوق الفيلم» من توزيع وغيره. أما القسم الثالث والأخير فموضوعه: «سياسة الجماهير وثقافتها»، ويتم هنا الحديث عن تدخل الدولة في النشاط الثقافي وعن المجتمع المدني ولآليات تنظيم أوقات الفراغ.

الملاحظة الأساسية التي يتم التأكيد عليها في بداية هذا الكتاب هو أن سنوات الثلاثينات من القرن الماضي وحتى سنوات الخمسينات شهدت إيطاليا زيادة ملحوظة في إنتاج الأفلام السينمائية وفي الإذاعات.

كذلك عرفت مبيعات الإنتاج الموسيقي والصحف زيادة موازية. كان السبب الرئيسي لمثل ذلك النشاط الكبير هو ظهور تقنيات جديدة للإنتاج عرفت الصناعات العاملة في الإنتاج الموجّه لأسواق البيع الاستفادة منها. بالتوازي مع ذلك جرى تبدّل كبير على صعيد آليات التسويق والتوزيع.

لكن رغم النشاط الكبير الذي عرفته سنوات 1930-1950 في الميدان الثقافي بإيطاليا إجمالا، فإن المؤرخين يميلون، كما يشير المؤلفان، إلى القول أن المرحلة الجنينية «الحقيقية» لترسخ ثقافة جماهيرية في إيطاليا كانت في سنوات الستينات من القرن الماضي. ذلك من خلال «استثمار» آليات السيطرة الثقافية التي كان النظام الفاشي قد استخدمها من أجل دعم مشروعه السياسي.

هكذا كان قد جيّر العديد من الأفلام السينمائية مثلا كي تكون بمثابة دعاية له. ومن خلال تحليل آليات تعبئة «الثقافة الجماهيرية» يدرس المؤلفان مظاهر الاستمرار والقطيعة على الصعيد الثقافي خلال فترتي ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها.

ويؤكد المؤلفان أن انتشار الثقافة الجماهيرية وترسخها كان له آثار كبيرة على سلوكيات الإيطاليين وساهم في ذلك النمو الاقتصادي حيث كان الإيطاليون قد استطاعوا أن يعيدوا بناء بلادهم بسرعة كبيرة بعد أن كانت الحرب العالمية الثانية قد دمّرتها.

وازدهرت أيضا الثقافة الجماهيرية مع النشاط الاقتصادي باعتبارها هي نفسها حركة اجتماعية باتجاه المعارف الفنية والثقافية والشروع في إرساء أسس نمط حياة وطريقة في السلوك. تتم الإشارة في هذا السياق أن إحدى السمات الأساسية التي رافقت النهوض في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية هي أن «الزمن التجاري» استحوذ على المساحة الأكبر من «الزمن الحر».

ويتم في هذا الكتاب عامة ربط انتشار الثقافة الجماهيرية بتطوّر «الصناعات» المرتبطة بتوسيع انتشار الثقافة الشعبية. وفي نفس سياق انتشار المدارس وتسهيل دخول الأطفال إليها وتخفيف إجراءات الحد من حرية التعبير في عهد الفاشية التي فرضها موسوليني في إيطاليا، والتقدم التقني في آليات الطباعة والتوزيع مع سهولة الانتقال باختراع القطارات وسهولة الاتصال هاتفيا وبرقيا. مع هذه الأمور كلها زاد انتشار الثقافة الجماهيرية وبالوقت نفسه زاد «التجانس» في المعلومات المقدمة على قاعدة «توحيد» مصادرها.

ويربط مؤلفا هذا الكتاب بين زيادة انتشار الثقافة الجماهيرية في إيطاليا وبين تعاظم استخدام لغة «الصورة» في مختلف قطاعات الإعلام من الصحافة المصوّرة إلى التلفزة وفيما بعد عبر شبكات الانترنت. هنا أيضا كان لتقدم التكنولوجيات دورا مركزيا.

هكذا لم يتردد البعض في القول أن الثقافة الجماهيرية هي أولا ثقافة الصورة. ولا شك استفادت مصالح التسويق من الصورة من أجل الترويج للمنتجات المعنية فيها.

وكانت الصور وسهولة إعادة إنتاجها سبيلا لصياغة «رؤية» محددة للعالموكان للإذاعات دور في نشر الثقافة الجماهيرية في إيطاليا. وفي الوقت الذي لم تكن تمتلك أجهزة المذياع شريحة قليلة جدا في سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي أصبحت تلك الأجهزة موجودة في جميع البيوت الإيطالية تقريبا بعد عدة عقود.

وقد لعبت دورا هاما في صياغة المعلومات وتوجيهها ونشرها على نطاق واسع. هذا قبل أن تأتي التلفزة لتحتل المرتبة الأولى والأساسية كمصدر للمعلومات ولنشر ثقافة جماهيرية على نطاق واسع.

وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية غزت السينما الأميركية، الهوليودية، القارة الأوروبية، بما فيها إيطاليا. وكانت مصدر «تنويع» جديد للثقافة الإيطالية التي يتم وصفها أنها كانت لفترة طويلة «أسيرة» استخدامها لأغراض سياسية. لكن الثقافة الجماهيرية شكّلت وسيلة لـ «اكتشاف» الإيطاليين في تنوّعهم الإقليمي على المستوى الوطني، والاجتماعي، على المستوى الطبقي.وفي المحصلة يتم التأكيد أن الثقافة الجماهيرية الإيطالية ساهمت عبر الكتابة والصحف والسينما وغيرها في زيادة معارف المجتمع الإيطالي الذي كانت قد انبثقت منه.

وساهمت بذلك أيضا في نوع مع «إدراك الذات» وفي تحديث «الذهنية الجماعية» دون القطيعة مع الثقافة الشعبية. ومن خلال الثقافة الجماهيرية أيضا جرى نوع من «التقريب» بين ثقافة النخب وثقافة شرائح العمال والفلاحين. لكن بكل الحالات لا ينبغي إهمال الدور الذي لعبته الدولة من جهة ومجموعات «المافيا» من جهة أخرى في النشاط الثقافي بإيطاليا الحديثة.

المؤلفان في سطور

دافيد فورغاك هو أستاذ اللغة الإيطالية في جامعة لندن. يولي اهتمامه لدراسة التاريخ الثقافي لإيطاليا الحديثة ولتاريخ وسائل الإعلام. من كتبه «روما مدينة مفتوحة«.وستيفن غوندلي هو أستاذ السينما والدراسات السمعية البصرية في جامعة وورويك. مختص بالتاريخ الثقافي والسياسي لإيطاليا الحديثة. من مؤلفاته: «بين هوليود وموسكو: الشيوعيون الإيطاليون وتحدي الثقافة الجماهيرية«.

الكتاب: الثقافة الجماهيرية والمجتمع الإيطالي

تأليف: دافيد فورغاك ستيفن غوندلي

الناشر: جامعة انديانا 2009

الصفحات: 376 صفحة

القطع: المتوسط

Mass culture and italian society

David Forgacs, Stephen Gundle

Indiana University Press 2009

376P