كانت سنوات الستينات قد عرفت الكثير من الاضطرابات الاجتماعية، وبالتالي من اهتمام الدارسين لاحقا خاصة عام 1968 الذي كان قد عرف ما سُمي بأحداث الطلبة، أو ثورة الطلبة في فرنسا خلال شهر مايو من تلك السنة.

هذا على خلاف عقد السبعينات التالي. والمؤرخ والصحافي البريطاني اندي بيكيت يقدّم كتابا تحت عنوان «عندما انطفأت الأنوار» يؤرخ فيه لـ «بريطانيا خلال سنوات السبعينات» من القرن الماضي، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.يشير المؤلف في مقدمة كتابه أنه من مواليد عام 1969، وأن أولى ذكرياته تعود إلى عام 1979 الذي عرف إجراء انتخابات عامة في بريطانيا كما عرف «انطفاء أنوار الكهرباء» المتكرر. وباستثناء ذلك لم تكن هناك ذكريات كثيرة وكأن الفترة السابقة كانت «جوفاء». هذا على الأقل ما اعتقده لفترة من الزمن.لكن الصورة التي تثبّتت في ذهنه مع نمو إدراكه السياسي هي أن البريطانيين يولون أهمية كبيرة لسنوات السبعينات وما عرفته من إضرابات عمالية ونقابية مختلفة وأنها كانت سنوات عنيفة وشهدت قدرا كبيرا من البطالة.

باختصار كانت فترة «مسمومة الأجواء» على الصعيد السياسي العام. وعلى مثل هذه الخلفية وصلت السيدة مرغريت تاتشر، السيدة الحديدية، إلى السلطة عام 1979.

ويشير المؤلف إلى أن بريطانيا عرفت صعوبات اقتصادية في سنوات الستينات، لكن لم يتعاظم عندها القلق العام لدى السكان ذلك أن مستوى الحياة بقي مرتفعا. على العكس من ذلك بدت سنوات السبعينات أكثر إثارة للقلق من حيث ما أثارته من مخاوف اقتصادية، إذ تكشّف عندها أن النمو الاقتصادي بطيئا جدا ولم يتجاوز معدّل 9,1 بالمائة سنويا خلال العقد كله بالنسبة للإنتاج الوطني البريطاني الحقيقي. ولم تنجح الحكومات العمالية والمحافظة المتعاقبة أن تحسّن الوضع عامة، رغم محاولاتها العديدة.

وفي سنوات السبعينات لم تكن بريطانيا، مثل بقية بلدان العالم، قد أصبحت تحت سيطرة ثورة المعلوماتية ونتائجها، بل لم يكن الهاتف النقّال موجودا. هكذا تبدو سنوات السبعينات أنها بمثابة حقبة «بعيدة جدا زمنيا»، رغم أن مواليد تلك السنوات يعيشون الآن فترة شبابهم «الناضج». وفي تلك السنوات أيضا كانت النقابات لا تزال تتجرأ على رفع صوتها بقوة للإعلان عن مطالبها.

لقد كانت الأوضاع الاقتصادية صعبة والاضطرابات الاجتماعية، من إضرابات وغيرها، تبدو ملحّة إلى درجة أن اليسار البريطاني، أو على الأقل جزء منه، اعتقد أن «الثورة على الأبواب» مثل هذا التصور يعارضه المؤلف مع إشارته إلى أن مجموعات من اليسار ومن اليمين البريطاني كانت تجد في مصلحتها «الزعم» أن مثل تلك الثورة باتت قريبة.

وكان إضراب عمال المناجم عام 1974 قد أسقط حكومة إدوار هيث، وفي شتاء تلك السنة، «شتاء الاستياء»، كان اليسار البريطاني قد وصل إلى درجة من القوة والحضور على مستوى الشارع لم يعرفها طيلة تاريخه. وكان أغلبية العاملين منخرطين في إطار نقابات. هذا إلى حد أن قائدا نقابيا كان في الواقع أكثر قوة من أغلبية وزراء الحكومة البريطانية.

وكان اليساريون، من ماركسيين ونصف-ماركسيين، يمتلكون نفوذا لا سابق له في المجال الثقافي ابتداء من الجامعة ووصولا إلى دوائر الثقافة الشعبية. لكن تلك المظاهر كلها، رغم أنها أجرت تحوّلا حقيقيا وكبيرا في النظام «الاعتيادي» البريطاني، لم تكن تعادل ثورة. من هنا بالتحديد يأتي مصدر القلق الذي أشار، ولا يزال يشير إليه، المحافظون ويعتبرون أن سنوات السبعينات المنصرمة «فترة مقلقة».

ويشرح المؤلف أن تلك السنوات عرفت العديد من المفاجآت السياسية إذا تمّ النظر إلى مجريات الأحداث بـ «نظرة جديدة». فمثلا كانت الانتخابات التشريعية عام 1979 قد عرفت زيادة كبيرة في عدد الأغنياء الذين اقترعوا لحزب العمال.

كذلك كان موقع السيدة مرغريت تاتشر، رغم ما تجسده في سنوات السبعينات، أكثر هشاشة مما عرفته في عقد الثمانينات التالي. ويحدد المؤلف «بطله» لتلك السنوات بالنقابي «جاك جونس» الذي عاش باستمرار في شقة صغيرة رغم أنه كان رئيسا لأكبر نقابة عمالية في البلاد.

ومن المقابلات «المثيرة» التي يتضمنها الكتاب تلك التي أجراها المؤلف مع إدوارد هيث، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، قبل وفاته بفترة قصيرة وتحدث فيها عن فترة السبعينات من موقع القائد السياسي وأيضا من موقع المواطن العادي. ويقارن المؤلف بين ما قاله وما قاله مجموعة من سائقي الشاحنات الذين انخرطوا آنذاك في اللجان العمالية خلال «شتاء الاستياء» الذي أسقط حكومة هيث.

أما الأطروحة النهائية التي يصل إليها المؤلف من تحليلاته فهي أنه جرى عامة تقديم سنوات السبعينات في بريطانيا بطريقة فيها الكثير من «التجنّي»، وذلك لأسباب سياسية بحتة بحيث جرى تقديم ذلك العقد وكأنه لم يمثّل سوى سلسلة من الأزمات ومن المآزق.

لكن الواقع، كما يقدمه المؤلف، كان أكثر حيوية وأكثر أهمية بكثير مما يقال. هذا ما يثبته صعود الحركة النسائية البريطانية وتزايد قوة أنصار حماية البيئة وأنصار مناهضة العنصرية.

الكتاب: عندما انطفأت الأنوار

تأليف: اندي بيكيت

الناشر: فابر اند فابر لندن 2009

الصفحات: 576 صفحة

القطع: المتوسط

When the lights went out

Andy Beckett

Faber and Faber London 2009

576P.