لا شك أن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الراهنة تستولي على القدر الأكبر من الاهتمام. ذلك بسبب ما تطرحه من مشاكل وما يحيط من غموض بالطريقة وبالفترة التي سوف تنتهي فيها.

لكن لا شك أيضاً أن هناك العديد من الأزمات والنزاعات القديمة التي تعرفها مناطق عديدة من العالم اليوم. ولم يكن من الأزمة الراهنة سوى أن زادتها تعقيدا مثلما هو الحال في الشرق الأوسط. وبالإضافة إلى النزاعات القديمة هناك أيضاً نزاعات جديدة ظهرت وعوامل لزيادة التوتر في العالم. هذه المسائل كلها هي موضوع الكتاب-الأطلس الخاص بالأزمات والنزاعات في العالم والذي يعدّه خبيران فرنسيان بالمسائل الاستراتيجية الدولية هما هوبير فدرين، وزير الخارجية الأسبق، وباسكال بونيفاس مدير مركز العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس.

إن المؤلفين يقدمان تحليلا للأسباب العميقة للأزمات وللنزاعات المحلية والإقليمية، كما يقدمان تشخيصا للمشهد العالمي الراهن ويحاولان في نفس السياق تفحّص الآفاق لما يمكن أن تؤول إليه النزاعات والأزمات المعنية.

ويذكّران بداية أن قيام عالم هادئ ويسوده السلام والاستقرار لا يزال في عالم الآمال وليس في عالم الواقع. وكل ما قيل عن «نهاية التاريخ» لم يكن له ما يسنده في مسار التاريخ.

تجدر الأشارة أن المؤلفين لا يتعرّضان في تحليلاتهما للنزاعات الداخلية في أي بلد من بلدان العالم إذا لم يكن هناك تدخل خارجي أو تداعيات دولية.

وهما يركزان بالتالي جهدهما على الأزمات والنزاعات التي تتجاوز آثارها أطرها المحلية أو الإقليمية كي تكتسي بعداً دولياً.

الخطوة الأولى هي محاولة تبيين مختلف أسباب الأزمات حيث يتم التأكيد أن أسباب مختلف النزاعات بين الدول هي قديمة قدم العالم. وتعود أولا إلى حاجة الجماعات الإنسانية، الممثّلة بالدول فيما يخص الأمم، بحماية نفسها أمام تهديدات الآخرين أو ربما محاولة توسيع نفوذها.

كذلك يمكن للدول أن تتواجه باسم إيديولوجيات وقيم يمكن أن تؤمن فيها أو ربما ترفعها من أجل خدمة مراميها الحقيقية، أي بتعبير آخر من أجل خدمة مصالحها الاقتصادية أو السياسية.

والمثال «البليغ» الذي يتم تقديمه للدلالة على الحجج التي يتم استخدامها لتغطية غايات ذات طابع توسعي، هو النهج الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط، خاصة أثناء حرب 1967 عندما احتلوا أراضي مصرية وسورية وأردنية باسم «الحماية».

ثم ترسّخت أكثر فأكثر ذهنية الفتح والاستيطان ذي الطابع الاستعماري.ويتم التعرض في هذا السياق أيضاً لاجتياح الكويت عام 1990 حيث يعتبر المؤلفان أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين قد «أخطأ» في الحساب عندما اعتقد أن غورباتشوف قد «يمنع ردود أفعال مجلس الأمن».

ولم يفهم أن نهاية الحرب الباردة قد غيرت معطيات العالم. وخطأ مشابه ارتكبه الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوزفتش حيث شجّع على تفكك يوغسلافيا «السابقة» وأنه يستطيع استخدام جميع الوسائل لتحقيق ذلك.

ويرى المؤلفان أنه لا يمكن تبرير الحرب الأميركية على العراق في ربيع عام 2003 بالحجج التي جرى تقديمها من حيازة العراق على أسلحة دمار شامل والعلاقة مع الارهاب.

لكن بالأحرى يتم تحديد أسبابها الرئيسية بحاجة الولايات المتحدة إلى أن تُظهر للعالم من جديد أنها لا تزال «قوّة لا تضاهى» بعد اهتزاز صورتها في 11 سبتمبر 2001. وسبب آخر «جزئي» يتم تحديده بسرغبة الثأر من محاولة النظام العراقي آنذاك اغتيال جورج بوش الأب».

هذا ولو كان البترول هو وحده الهدف كان بالإمكان الوصول إليه عبر «التفاهم» وبطريقة أكثر سهولة وأكثر أمناً. ويتم التعرض على مدى العديد من صفحات هذا الكتاب إلى الأزمات والنزاعات القائمة في عالم اليوم تبعا للمناطق الجغرافية.

ذلك ابتداء من القارة الأوروبية والنزاعات التي يمكن أن تنفجر فيها من كوسوفو إلى جزيرة قبرص ومرورا بمنطقة البلقان ونزاعات روسيا مع كل من جيورجيا واوكرانيا وبلدان البلطيق ونزاعات شمال القوقاز وغيرها.

ثم أزمات ونزاعات القارة الإفريقية في منطقة جنوب الصحراء خاصة في الكونغو ومنطقة البحيرات الكبرى ونزاع دارفور والصومال، ونزاعات آسيا بين الصين وتايوان ونزاع التيبت، وبين الكوريتين، الجنوبية والشمالية، ووصولا إلى ما يسميه المؤلفان «قوس الأزمات» الذي يشكل منطقة الشرق الأوسط محوره الرئيسي، وانتهاء بالأزمة «المزمنة» بين الهند وباكستان.

الصفحات الأخيرة من الكتاب مكرّسة ل«سيناريوهات المستقبل»، ويتم التأكيد هنا أن الولايات المتحدة سوف تبقى لمدة طويلة أيضاً هي القوة الأولى بين القوى الدولية الأخرى بينما أن الاتحاد الأوروبي تتزايد ثقته بنفسه وأنه يمتلك قدرات لعب دور «القوة الهادئة».

هذا مع التأكيد إلى أن روسيا «لم تختف» من المشهد الدولي كما تنبأ بعض الغربيين بل هي تعود بقوة إلى المسرح الدولي عامة وإلى المسرح الأوروبي بشكل خاص.

وتتم الأشارة إلى أنه إذا كانت لا تزال هناك تساؤلات حول الكيفية التي تستخدم فيها القوى الصاعدة وعلى رأسها الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا والمكسيك، قوتها فإن ما يتم التأكيد عليه هو أنها سوف تغيّر شيئا فشيئا موازين القوى داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمة العالمية للتجارة ومختلف المؤسسات والمنظمات الدولية.

وكتاب يحاول مؤلفاه الرؤية أبعد وأوضح، ومساعدة القارئ على ذلك أيضاً.

الكتاب: أطلس الأزمات والنزاعات

تأليف: باسكال بونيفاسهوبير فدرسين

الناشر: ارمان كولان/فايار باريس 2009

الصفحات: 126 صفحة

القطع : الكبير

Atlas des crises et des conflits

Pascal Boniface، Hubert Vedrine

Armand Colin/Fayard Paris 2009

126P