«الإرث» الذي تركته إدارة جورج دبليو بوش للإدارة الأميركية الحالية، هو إرث ثقيل جدا، كما يؤكد الصحافي الأميركي الشهير دافيد سانجر الذي خبر لسنوات ما يجري في البيت الأبيض من موقعه المهني.

و«الإرث» هو العنوان الذي اختاره لكتابه الأخير الذي يتعرض فيه ل«مواجهات أوباما وتحديات القوة الأميركية»، كما يقول العنوان الفرعي.التحديات التي يواجهها أوباما والولايات المتحدة على الصعيد العالمي كثيرة، ويحددها المؤلف في ستة تحديات يكرس لكل منها قسم من الكتب. وقد جاءت عناوينها كالتالي: «إيران، مانهاتن ومشاريع الملالي» و«أفغانستان، النهاية السيئة لحرب جيدة» و«باكستان واجتياح حليف» و«كوريا الشمالية وسبيل التحدي النووي» و«الصين، العملاق الجديد والتنين القديم» والقسم الأخير «نقاط الهشاشة الثلاث».تتمثل إحدى الأفكار الأساسية التي يركز عليها المؤلف لتفسير «الإرث الثقيل» الذي تركته الإدارة الأميركية السابقة بالقول أن تلك الإدارة في ظل رئاسة جورج دبليو بوش محورت كل اهتمامها، وبما يشبه «الوسواس» على حرب العراق.

وبالتالي أهملت بقية العالم، وعرف الآخرون أن يستفيدوا من «حالة العمى» المترتبة على ذلك. ولجأت إيران وكوريا الشمالية إلى رفع وتيرة نشاطاتهما النووية، ومارست باكستان لعبة مزدوجة في مواجهة احتمال عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان «المتروكة» لقدرها. ولم تتردد الصين في الاستثمار بكل الاتجاهات وفي جميع القارات.

والحصيلة هي أن باراك أوباما «ورث» قيادة أميركا في عالم زاخر بالتهديدات، وعليه أن يواجهها والجميع معه. لكن يبقى السؤال الرئيسي الذي يطرحه المؤلف هو: كيف يمكن للولايات المتحدة التي هزت الأزمة المالية العالمية الراهنة أركانها، أن ترفع التحدي العالمي دون أن تهدد السلام في العالم؟

إن الفرق كبير بين الشعارات التي يرفعها المرشح للرئاسة الأميركية وبين ممارساته اللاحقة كرئيس، هذه هي القاعدة التي يؤكدها دافيد سانجر. وهناك دور الكونغرس الذي يمكنه أن يعرقل جهود الرئيس. ويرى المؤلف أن أوباما قد يستطيع أن يُقنع أعضاء الكونغرس أن الحرب في أفغانستان هي «ضرورية» وبالتالي قد يستطيع اتخاذ مبادرات لزيادة عدد الجنود الأميركيين وتصعيد النشاطات العسكرية.

لكن المشكلة في هذه المنطقة من العالم ليست أفغانستان بل هي باكستان التي هناك خطر حقيقي بأن تنقلب من موقع الحليف إلى موقع العدو. من هنا سيكون النجاح الدبلوماسي لأوباما مرهونا بمدى قدرته على «المناورة» للاحتفاظ بباكستان حليفة لأميركا.

تتم الملاحظة في هذا السياق إلى أن الديمقراطيين يسيطرون في أميركا اليوم على البيت الأبيض ومجلس الشيوخ ومجلس النواب، وهذا قد يكون أمرا جيدا على المدى القريب بالنسبة لإدارة اوباما، لكنه قد يكون سيئا جدا على المدى الطويل، ذلك أن أية إدارة تخرج «كبيرة» إذا استطاعت القيام بإصلاحات حقيقية في ظل أغلبية برلمانية ليست من معسكرها.

ويؤكّد دافيد سانجر على الدور الذي يلعبه «روبير غيتس» وزير الدفاع الأميركي الذي يعتبره الشخصية الأكثر سحرا في هذه الإدارة، وإلى حد كبير في الإدارة السابقة خلال العامين الأخيرين من وجودها وحيث استطاع أن يدفع جورج دبليو بوش نحو توجّه ما دون أن يعطي الانطباع أنه قد غيّر نهجه.

هكذا لم يكن أمام باراك أوباما سوى الاحتفاظ فيه كوزير للدفاع حيث كان الحديث عن ضرورة الانسحاب من العراق قد بدأ منذ الفترة الأخيرة من عهد بوش، ولسبب آخر هو أن أوباما وغيتس «يشتركان أكثر مما يسود الاعتقاد» بالقناعات والأفكار، كما يشير المؤلف.

وما يؤكده المؤلف هو أن باراك أوباما، ورغم كل ما قاله وردده، عن ضرورة انتهاج سياسة خارجية تحترم «الأخلاق»، لن يمارس مهنة جديدة. وحتى أن عنوان الكتاب نفسه «الإرث»، يدل على الاستمرارية وليس على القطيعة. ذلك أن «العالم الموروث من إدارة بوش سوف يحد من خياراته أكثر مما اعترف، وبالتأكيد أكثر مما اعتقد أولئك الذين كانوا رفعوا لافتات تحدثت عن التغيير، كشعار لحملة أوباما الانتخابية»، كما نقرأ.

ويرى سانجر أن أميركا اليوم هي «في نقطة المعرفة الدقيقة لما يعنيه انتخاب أوباما في العالم كله». إنه لا يقلل من الأهمية الرمزية لانتخاب أميركي من أصل إفريقي، أسود، رئيسا للولايات المتحدة. لكنه يرى أن السياسة هي لغة الواقع، وبالتالي عندما سيطلب الرئيس الأميركي من حلفائه الأوروبيين المساعدة في أفغانستان «ستكون عندها لحظة نهاية شهر العسل بالنسبة لأوباما».

وعلى سؤال: من الذي انتصر في حرب العراق يجيب سانجر بسرعة: «الصين»، ذلك بمعنى أن الولايات المتحدة «تركت ثماني سنوات ؟ للصين- كي تمدّ نفوذها، في آسيا وفي العالم. ثم يشير إلى أن الخاسر الأكبر وربما أكبر من العراف والولايات المتحدة، هي أفغانستان حيث إن ها تراجعت في اهتمام القادة السياسيين والعسكريين الأميركيين إلى الخلف.

وبالنتيجة تبدو حرب أفغانستان أنها لا تزال «في البداية»، ويتحدث المؤلف طويلا عن «الفرص الضائعة» والكلفة الباهظة للحرب في العراق وأفغانستان حيث لم تنفّذ إدارة بوش أبدا وعودها لإعادة تعمير هذه البلاد، وبالتالي هي المسؤولة إلى حد كبير عن العودة القوية لطالبان.

«الإرث» كتاب يصف فيه مؤلفه بالتفصيل التحديات الكبرى التي يواجهها أوباما ونقاط الضعف التي تواجهها إدارته والتي كانت الأزمة المالية العالمية التي انطلقت في خريف العام الماضي إحدى تعبيراتها القوية. والنتيجة هي أن الرئيس الأميركي يجد نفسه اليوم مجموع من التحديات لم يعرفها رئيس قبله منذ فرانكلين د. روزفلت.

الكتاب: الإرث

تأليف: دافيد سانجر

الناشر: هارموني بوك نيويورك 2009

الصفحات: 536 صفحة

القطع: المتوسط

The inheritance

David E. Sanger

Harmony Books New York 2009

536P.