من المعروف عن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك أنه لا يتحدث بسهولة عن نفسه بدافع الحياء والسريّة، كما شاع عنه.

وفي هذا الجزء الأول من مذكراته الذي يحمل عنوان «كل خطوة ينبغي أن تكون هدفا» يحكي تفاصيل كثيرة عن سيرة حياته منذ ولادته عام 1932 حتى انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية عام 1995 ؛أي حتى وصول الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي إلى الرئاسة.الواضح أن الرئيس السابق شيراك يريد تجنّب الحديث عن ساركوزي حرصا على أن لا يحرجه ولا يحرج نفسه بالوقت نفسه. وهكذا يكتفي بالحديث «المقتضب» عن الرئيس الحالي في الفترة السابقة ويقول عنه أنه «يضع نفسه حيث يبدو ضروريا» ويضيف أنه «رجل عصبي المزاج وعجول وشغوف بالحركة ويجيد فنّ التواصل مع الآخرين«.إن شيراك يتحدث ببساطة ووضوح عن أصوله العائلية البورجوازية الوسطى والميسورة وعن فترة شبابه الزاخرة بالمغامرات من كل صنف ونوع وعن بداياته في عالم السياسة.

وهو يُفصح عن أنه عرف عندما كان في الثامنة عشرة من عمره تجربة التقارب مع اليسار وأنه قام بتوزيع النشرات الشيوعية في الشارع. لكنها كانت فترة قصيرة عابرة.

وكان المدخل الحقيقي الذي دفعه إلى معترك السياسة هو عمله عام 1962 حيث كان عمره آنذاك 30 سنة في مكتب جورج بومبيدو عندما كان رئيسا للحكومة.

ويروي أنه ذات يوم من عام 1966 استدعاه بومبيدو وقال له: «شيراك عليك أن ترشّح نفسك في الانتخابات التشريعية عن باريس.هكذا تستطيع أن تخدمني بشكل أفضل«.أجابه شيراك أنه لا يعتقد بصلاحياته لذلك وأن لديه مشاريع أخرى،لكنه سوف يطيعه في كل الأحوال. وأصرّ على أن لا يكون ترشيحه في باريس ولكن في منطقة «كوريز» التي يتآلف معها وبقيت «عرينه«.

وهكذا ترشّح شيراك في إحدى دوائر منطقة «كوريز» الثلاث،وتحديدا في الدائرة التي لم يفز فيها أي مرشح سابقا من غير معسكر اليسار،لكن شيراك فاز عام 1957،كان عمره 35 سنة فقط.

وكان من بين أعضاء لجنة العمل الانتخابية التي نوى تشكّيلها فتاة تدعى برناديت دو كورسيل وكانت زميلته في كلية العلوم السياسية بباريس. ومع تأكيد شيراك قوله: «أكون كاذبا لو أكّدت القول أنني توقفت في الوقت نفسه عن الخروج بصحبة فتيات أخرى من كلية العلوم السياسية»، أصبحت برناديت دو كورسيل هي السيدة برناديت شيراك.

نقرأ: «في المرحلة الأولى كان أهل برناديت حذرين ومترددين من رؤية زميل دراسة من وسط أكثر تواضعا يلازم ابنتهم بهذه الطريقة القريبة. إنهم لم يعتبروني طرفا مناسبا، خاصّة أنني كنت شابا يافعا ودون أي وضع مستقر هذا فضلا عن النظر لي أنني من اليسار وحتى شيوعي.وعندما علم جدّا برناديت بإمكانية خطوبتنا قالا: هل تعمّد على الأقل في الكنيسة؟«.

ويروي شيراك أن علاقاته المباشرة الأولى مع العرب والعالم العربي كانت في الجزائر التي ذهب إليها ضابطا شابا عندما كانت ثورة التحرير في أوجها. وقد بقي فيها ما يزيد عن سنة خلال فترة 1956 ـ 1957.

ومن الذكريات التي يروي أنها أثارت أكبر قدر من الانفعال لديه يقول:» من تلك الحرب القاتلة كانت الذكرى الأكثر تأثيرا في داخلي منظر ذلك الشاب المسلم،ابن الأربعة عشر أو الخمسة عشر سنة الذي توفي بين ذراعي عندما مشى على لغم بالقرب مني.

اعتقدت للوهلة الأولى أنه قد نجا بأعجوبة إذ لم تكن هناك آثار دماء. لكن فجأة لمحت بقعة دم على قميصه. كانت شظيّة قد اخترقت صدره واستقرّت في القلب.«.

ما يؤكّده جاك شيراك في هذه المذكرات هو أنه لم يمارس التعذيب أبدا في الجزائر ولم يكن شاهدا عليه في أيّة لحظة «لكن هذا لا يعني أن مثل تلك الممارسة لم تكن موجودة «،كما يضيف.ويشير إلى أن فرنسا قدّمت الوعود للجزائريين الذين انضموا إلى صفوفها أنها «لن تتخلّى عنهم أبدا».

وهذه أشارة واضحة إلى المواقف التالية من أولئك الذين اضطروا للخروج من الجزائر مع الجيش الاستعماري ويقيمون في فرنسا ويشكلون ما يُعرف اليوم بـ «الحركيين«.

ومن المواضيع التي يعرّج عليها جاك شيراك سريعا في مذكراته الصداقة التي ربطت بينه وبين الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. ويقول أنه على خلفية اهتمام فرنسا بالوصول إلى توازن في منطقة الشرق الأوسط جرى تكليفه بـ «التفاوض مع العراق«.

وذلك في منظور البحث بمسائل تتعلّق بـ «الطاقة والتعاون العسكري»،خاصّة أن شيراك معروف بصداقته العميقة ـ التي يشير إليها بوضوح في مذكراته ـ مع مارسيل داسو صاحب شركة الصناعات الفضائية التي تحمل أسمه وتنتج طائرات الميراج وغيرها.

ويذكر شيراك أنه التقى بصدام حسين ثلاث مرّت. الأولى عام 1974 في بغداد والثانية في باريس عام 1976 والثالثة في بغداد في العام التالي 1976. وبعد أن يؤكّد شيراك قطيعته لاحقا مع الرئيس العراقي السابق بسبب أسلوب حكمه القمعي يكتب «لقد أحسست بالصدمة للطريقة التي انتهى فيها والتي كانت على نفس الدرجة من الوحشية التي اتهموه بارتكابها وأدانوه على ارتكابها«.

كذلك يذكر شيراك أن صدام حسين نصح الفرنسيين عبر رسالة سلّمها سفيره في باريس للسلطات الفرنسية بعدم استقبال الخميني في فرنسا بعد إخراجه من العراق. وينقل شيراك من الرسالة: «عليكم الحذر الشديد.اتركوه يتوجّه إلى ليبيا. ذلك أن أصداء ما يقوله في فرنسا ستكون كبيرة،وفي ليبيا لن يسمعه أحد». الرئيس الفرنسي آنذاك فاليري جسكار ديستان فعل عكس ما طلبته الرسالة،كما يشير شيراك.

ومن المعلومات التي يذكرها شيراك قوله أن الرئيس الأميركي الأسبق رينالد ريغان قال له أثناء اتصال هاتفي عام 1986: «لقد قررنا تصفية القذافي ونرغب السماح لطائراتنا بالمرور في الأجواء الفرنسية «.

وكانت الإجابة:» ليس ممكنا القبول بجرّ فرنسا إلى مثل هذا الموقف. ثمّ أن الأمل ضعيف بتصفية القذافي بهذه الطريقة فمن النادر نجاح مثل هذه العمليات «.الرئيس ميتران قال لشيراك يومها «موقفك صائب مئة بالمائة». لكنه أشار إليه انه كان عليه أن يبلغه بالأمر قبل تقديم الإجابة.

فيما عدا هذه الصفحات القليلة الخاصّة بالعلاقات مع الخارج من مذكرات يزيد عدد صفحاتها عن ال500 صفحة،يركز شيراك على تجربته السياسية في فرنسا ومع الطبقة السياسية فيها. أنه يؤكّد على إعجابه الشديد بالجنرال ديغول وخلافه الكبير مع فاليري جسكار ديستان،بل وإظهاره مدى الصعوبة التي واجهها في التعامل معه.

على العكس لا يتردد في وصف فرانسوا ميتران،اليساري،انه «مخلوق نادر» و«فنان» وأنه استحق إعجابه بجدارة. وصديقه لعشرين سنة ادوار بالادور «خانه» وساركوزي تخلّى عنه لمساندة بالا دور. أمّا المأساة الأكبر في حياته فكانت اللوثة العقلية التي أصيبت فيها ابنته لورنس.

المؤلف في سطور

جاك شيراك هو الرئيس الخامس للجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958.أمضى شيراك في الرئاسة ما بين شهر مايو ـ أيار 1995 ومايو ـ أيار 2007. وكان قد تولّى رئاسة الحكومة الفرنسية وعدة مناصب وزارية لمرّات. من كتبه «فرنسا الجديدة» و«فرنسا من أجل الجميع«.

الكتاب: كل خطوة ينبغي أن تكون هدفا مذكرات

تأليف: جاك شيراك

الناشر: نيل باريس 2009

الصفحات: 512صفحة

القطع: الصغير

Chaque pas doit être un but,memoires

Jacques Chirac

NIL - Paris 2009

512P.