بادر موقع «بوك ريبورتر» الثقافي الأميركي المتخصص إلى إجراء هذه المقابلة مع الروائية الأميركية إليزابيث هايد مع صدور روايتها الخامسة، مؤخراً، بعنوان « في قلب الوادي الضيق» .
حيث ألقت الضوء على المصادر التي استلهمت منها روايتها والأبحاث التي أجرتها لإنجازها، مشيرة إلى اهتمامتها بالكتابة من خلال أكثر من منظور واحد، وأوضحت أن أصعب ما واجهها في هذه الرواية هو أنها قد أنجزتها في 800 صفحة، ثم اضطرت إلى اختزالها إلى النصف تقريباً لكي تصل إلى القارئ بصورة عملية .
ما الذي ألهمك كتابة هذه الرواية؟
لقد سقطت من فوق حاجز طوف في منحدر نهري هائل وكان ذلك خلال رحلتي الأولى نزولاً مع تيار نهر كولورادو في العام 2002، ولم أكن قد أردت القيام بهذه الرحلة، في المقام الأول، لأن لديّ عادة السقوط في الماء من السفن، دع جانباً الاضطراب الذي يعتريني مع ارتفاع درجة الحرارة. ولكننا انطلقنا في الرحلة، وفي غضون أيام قلائل كنت قد تعلقت بالوادي الضيق وبالنهر، وبحلول نهاية الأسبوع الأول كنت أفكر في ترك كل شيء والعمل مرشدة نهرية.
ثم في اليوم التاسع وصلنا إلى منحدر ديبندورف عند الزاوية الخطأ، وكنت في مؤخرة الطوف، متشبثة به، وفجأة أقبلت موجة هائلة، وصاح المرشد إد: «إلى اليسار أيها المجدفون، إلى اليسار!».
واندفع الطوف عالياً نحو الشمس، أما أنا فقد تعرضت للسقوط عبر الحاجز، وفي التو أمسك إد بكاحلي بقوة، وللحظة قصيرة واصل إحكام قبضته على كاحلي، غير أنه سرعان ما أدرك أن بقائي متدلية رأساً على عقب ليس الوضع الأكثر أمناً لاجتياز منحدر نهري فتركني أسقط في النهر.
وهكذا وقعت في الكون الرحب للفقاعات الرمادية الباردة وتلاعبت بي الدوامات وصعدت إلى السطح بحثا عن الهواء ليعيدني الماء إلى أسفل مجدداً، وفي النهاية عندما حسبت أنني على وشك ملء رئتي بماء النهر الأكثر برودة في العالم، لفظني النهر إلى ضوء الشمس، حيث أبقتني سترة نجاتي فوق سطح الماء، وهكذا طفوت بقدمي إلى أعلى، وصولاً إلى الطوف الذي كان في انتظاري عند قاع المنحدر.
وقد كان ينبغي أن أكون خائفة حتى الموت، لكني لم أكن كذلك، بل في حقيقة الأمر أحسست بالإثارة والانفعال على نحو لم أعرفه طوال حياتي. وبدأت في الكتابة بمجرد وصولي إلى البرد، ومضيت أسرد ما وقع على كل من يصغي إليّ. وفي تلك الليلة ألقيت قصيدة طويلة ولاهثة على مسامع المجموعة، وهي قصيدة لم أدرجها في الرواية لأنها فظيعة حقاً.
وطوال رحلة العودة إلى بولدر بولاية كولورادو واصلت الكتابة في ذهني وعلي الورق، وحاولت جعل إحدى شخصياتي دليلاً نهرياً. فلنكتفي بالقول إن الفكرة لم توفق، وأخيراً قال زوجي إن عليّ نسيان الأمر، وتأليف كتاب عن رحلة نهرية، وهذا كله نبع من سباحة استمرت 45 ثانية.
كيف أجريت الأبحاث اللازمة للرواية؟
بعد تلك الرحلة الأولى، قرأت كل كتاب أمكنني العثور عليه حول الانطلاق بالطوف في المياه سريعة التدفق وحول نهر كولورادو. واشتركت في دورية «بوتمانز كوارترلي ريفيو».
وأخذت دروساً في الانطلاق بزوارق الكاياك، ودرست الهيدروليكا وتعلمت الكثير عن التيارات، ومضيت إلى مراسي خور بولدر متخيلة أنه أكبر بمئات المرات ومتصورة الطريق إلى المنحدرات الهائلة، لكن الأمر الأكثر أهمية هو أنني أمطرت أدلة النهر بالأسئلة إلى حد الإزعاج، ومضيت بالطائرة إلى فلاجستاف، وعلى امتداد أسبوعين تابعت الارتحال مع النهر، وكان الأدلة صبورين معي على نحو لا يصدق.
الرواية تروي من ستة منظورات مختلفة. لماذا هذا التعدد؟
أولاً، وقبل كل شيء، هناك فارق هائل بين الطريقة التي ينتظر بها الأدلة إلى الأمور وتلك التي يرى بها الركاب الأشياء. وفي صفوف الركاب أنفسهم لديك جميع أنواع الشخصيات الموجودة تحت الشمس، وكل منهم له برنامج عمل مختلف عن الآخر.
وعندما تكون على متن الطوف فإنك تغدو قريباً من الآخرين على امتداد 14 يوماً، وهكذا فإن س من الناس يعتقد أن ص يعرف كل شيء، وع يتمنى لو أن غ توقف عن التهام كل ثمار الأفوكادو في وجبة الغداء.
وقد أردت أن أقدم للقراء تنويعاً للانطباعات المختلفة، وكانت تلك هي الطريقة الوحيدة. وبالإضافة إلى ذلك فإنني أحب الكتابة من وجهات نظر مختلفة. ومن بين رواياتي جميعها فإن رواية واحدة وهي «مجنون كالشيكولاته» مكتوبة بضمير المتكلم فقط. وقد كان كتابي المفضل كطالبة متخصصة في اللغة الانجليزية هو «الصخب والعنف».
وهناك رواية أخرى أثرت فيّ، وخاصة بالنسبة لهذه النوعية من كتب الرحلات، وهي «سفينة الحمقى». وكل تلك الشخصيات، كل تلك الأجندات، المختلفة، تعطيك الانطباع بأن الرواية مكتوبة لك وحدك على وجه التقريب. طالما أنك تواصل السمع والمتابعة.
ما هو أقسى جانب في كتابة هذه الرواية؟
كانت المسودة الأولى التي قمت بتسليمها تضم 800 صفحة، وهذا يجعلها رواية طويلة للغاية، على الأقل بالنسبة لنوعية الرواية التي كنت أحاول كتابتها. وكانت المشكلة هي أنني أعتقد أن أي شخص يقرأ الكتاب سيرغب بصورة طبيعية في معرفة كل تفصيل دقيق حول كيفية سير الأمور في رحلة نهرية، ولتحقيق تلك الغابة قمت بإدراج كل التفاصيل بما في ذلك الطرق التي يتبعها الأدلة في تحميل الأطواق وأوصاف متعددة، لنظام الحمامات على الطوف، وهكذا وجدت نفسي مواجهة بضرورة اختصار الرواية بمعدل النصف بصورة أساسية.
وكان زوجي يقوم بالتدريس لمدة فصل دراسي في كلية الحقوق في جامعة كاردوزو في مدينة نيويورك، وهكذا الحقت به، وأجبرت نفسي على البقاء في شقتنا الصغيرة المعتمة، وبدأت عملية الاختصار بلا رحمة. ولم تكن العملية في نهاية المطاف سيئة على نحو ما اعتقدت أنها ستكون عليه عندما شرعت فيها، وقد استخدمت الكثير من أوراق كتابة الملاحظات الصغيرة، التي ساعدتني في غمار هذا الجهد الشاق.
هل كنت تعرفين كيف سننتهي هذا الكتاب عندما شرعت في تأليفه؟
لا. لقد كنت أعرف يقيناً أن أزمة مؤكدة ستقع، وربما يمكن للقارئ أن يخمن أي أزمة أقصد عندما يقرأ الكتاب، وكنت أعرف الكثير عن الشخصيات، ولكن بخلاف ذلك لم أكن أعرف شيئاً في مرحلة البدايات.
وفي حقيقة الأمر أن المشكلة لم تكن كيف ستنتهي الرواية. ولكن متى ستنتهي، أي عند أي منعطف من الرحلة النهرية، فقد كان من السهل حقاً مواصلة الانطلاق، بالمعنى الرمزي، على امتداد الطريق وصولا إلى منطقة باجا. ومن حسن الطالع أن وكيلي الأدبي ومحرر الرواية قدما لي المفاتيح للوصول إلى نقطة توقف أفضل.
هل تفضلين قراءة نوعية محددة من الكتب؟ أي الكتب على قائمة قراءتك في الوقت الحالي؟
الكتاب المعاصرون المفضلون لديَّ هم آن تايلر وريتشارد روسو وإيان ماكوين من بين آخرين كثيرين، وقد أحببت رواية تورو بعنوان «براءة مفترضة»، وأعجبت كثيراً بالخصاص والسمات التي جعل هذه الرواية تكتسبها.
وفي الوقت الحالي أقوم بقراءة رواية إيرين نمرومسكي «الجناح الفرنسي» التي تجري أحداثها في فرنسا خلال الاحتلال، وهو كتاب مذهل، تم تأليفه من دون زمان أو مسافة لمعالجة الأحداث. كما أنني أقوم حالياً بقراءة المزيد من الكتب التي يمكنني أن أضع يدي عليها حول الرحلات النهرية وحول نهر كولورادو.
المؤلفة في سطور
وُلدت الروائية الأميركية إليزابيث هايد في 1953 ونشأت في كونكورد ببنيو هامشاير، ودرست اللغة الإنجليزية في جامعة فرمونت، ثم درست الحقوق في هاستنجز كوليج، وتخرجت منها في 1979.
وعملت بالمحاماة لفترة قصيرة في وزارة العدل بواشنطن، حيث جمعت من المدخرات ما يكفي للعيش عليه عاماً، أنجزت خلاله روايتها الأولى «ألوانها الأهلية» في 1986، وتوالت رواياتها الناجحة عقب ذلك، ومنها «وادي مونوسوك» و«مجنونة كالشيكولاته» وأخيراً «في قلب الوادي الضيق».
وقد احتلت روايتها «ابنة طبيب الإجهاض» صدارة قوائم أفضل الكتب مبيعاً عدة شهور، وذلك عبر اختيار برنامج ريتشارد وجودي التلفزيون لهذا الكتاب ضمن قائمة القراءات الصيفية.
منى مدكور
