تقدم الروائية الأميركية إليزابيث هايد في روايتها الخامسة صورة مدهشة لرحلة لا تصدق لثلاثة أطواف مليئة بالركاب من عشاق الطبيعة والرحلات والإثارة والأدلة، الذين يقومون بإرشادهم في رحلتهم نزولاً في نهر كولورادو، والتي تستمر أربعة عشر يوماً، مروراً بالتيارات المندفعة للجراند كانيون.
وعبر صفحات متتابعة من النثر القوي والطبيعي والتلقائي، نلتقي مع حشد مدهش من الشخصيات، يتألف بصفة أساسية من أربع مجموعات من العائلات، فهناك سوزان المطلقة الرشيقة من وسكونسون.والتي لا تكف عن انتقاد نفسها وابنتها المراهقة إيمي، التي تعاني من البدانة، وهناك ثنائي صاخب من يوتاه وأبناؤهما المراهقون الذين يحتدم بينهم التنافس طوال الوقت، ونلتقي أيضاً مع أستاذ التاريخ الذي لا يقلع عن ممارسة دور الرئيس في مواجهة زوجته والأدلة النهريين والزوجين فرانكل اللذين يتوجان أعوامهما السبعينية بالانطلاق في هذه الرحلة الأخيرة بالنسبة لهما.حيث بدأ الزوج في التعرض لمرض الزهايمر.
ويلحق بالركب أيضاً مسافرون متفردون، منهم فتى مدلل من سنسناتي تخلت عنه مؤخراً صديقته التي كانت ملكة جمال أوهايو وأستاذ للبيولوجيا في جامعة هارفارد تحرص على التقاط الصور في أجمل المواقع، غافلة عن أنانيتها، فهي لا تعي إلا بوحدتها وعطشها إلى الجمال وتوقها إلى وسائل لإرجاء الوقت أكثر إثارة من «استخدام الكتالوجات والتهام السلاطة سابقة التجهيز» على حد تعبيرها.
ولابد لكل الركاب على متن الأطواف، سواء أكانوا كهولاً أم في مقتبل العمر، وسواء أكانوا مشاغبين أم مطيعين، من أن يذعنوا لسلطة ثلاثة من الأدلة.
أما جي. تي، قائد الرحلة الأصلع والعفوي والذي يعد بمثابة شخصية أبوية للجميع، فإنه قام بهذه الرحلة 124 مرة من قبل، ويطمع في أن تكون الرحلة ال 125 موفقة، تجمع بين الإثارة للركاب من دون تعريض الأطواف للخطر.
غير أن ظروف الرحلة تصل به إلى حد يوشك معه على البكاء من فرط الإحباط، وهكذا نقرأ أنه: «أحس بالاقتراب من الرغبة في أن يلكم شيئاً لكمة عنيفة على نحو ما كان يشعر قبل زمن بعيد».
ونلتقي أيضاً مع «أبو»، فتى المزرعة الذي تحول إلى قائد لفريق المجدفين والذي ينجح غالباً في إدارة الأمور والتغلب على أي قصور يظهر في المواقف الصعبة، بينما تضيف الحسناء آن جيليس المزيد إلى المتاعب، وهي ترتدي سروالاً أحمر شاحباً قصيراً وقميصاً معقوداً فوق الخاصرة على نحو مثير، الأمر الذي يجعل الفتى المدلل يغرق في عرق لا علاقة له بحر يوليو الصعب.
ووظيفة الأدلة ليست المضي بالركاب في الرحلة بسلام عبر «أكبر تدفق للحياة الهادرة في القارة» فحسب، وإنما هي تشمل كذلك طهي الوجبات والتغلب على المشادات والمشاجرات، وكذلك مساعدة الركاب في التقاط الصور، وعملهم لا يكاد ينتهي من الناحية العملية.
وبينما تحرص المؤلفة على أن تجعل الحياة تتدفق في المشاهد الطبيعية ابتداء من «خضرة الماء الزمردية» وليس انتهاء بـ «تجمعات الكروم البري» وجدران الوادي الشامخة، فإن تمكنها الحقيقي يبرز في اللوحات التي ترسمها للشخصيات.
ويرجع ذلك إلى أن كل شخصية في الرحلة تنغمس في رحلة قوامها الاكتشاف الداخلي. فعلى متن الأطواف لا مهرب من التفاعل الاجتماعي ولا مجال للخصوصية ولا سبيل إلى أوجه التشتت النابعة من الحياة الحديثة بما فيها من سيارات وساعات وبطاقات إئتمان وتقارير إخبارية ليست لها أهمية حقيقية، وهكذا يجد الركاب أنفسهم مجبرين على مصارعة طبيعتهم الشائكة.
هكذا فإن سوزان، التي تحس باليأس حيال عجزها عن التواصل مع ابنتها المراهقة التي يصل وزنها إلى 237 رطلاً، تصل تدريجياً إلى إدراك دورها في الجمود الذي وصلت إليه علاقتها بابنتها، وهو الدور الذي يرتبط بتمحورها حول نفسها وتركيبتها الذهنية القائمة على تلمس الأخطاء عند الآخرين.
والزوجة الصارمة من أوهايو تدع السد الذي بنته حول ضيقها بحياتها الزوجية ينهار في الوادي الضيق، فيما هي تجادل زوجها حول سلوك أبنائهما، حيث ليتعلم الزوجان أن إطلاق العنان للغضب يخفف منه في نهاية المطاف، ويحس كل منهما بالارتياح عندما يعرفان أن القبطان جي.تي. يعرف كيف يوجه أبناءهما على النهر خيراً منهما، ذلك أن عبارة «لا أعرف، اسأل الدليل!» قد تنقذ زواجهما.
إن الركاب جميعاً يقطعون الرحلة ذاتها في الوادي الضيق، ولكن كلاً منهم يتبع درباً داخلياً مختلفاً، والمؤلفة تمضي بنا عبر هذه الدروب الفردية بالحد الأدنى من السقوط في الماء البارد، وتسمح لنا بالاطلال على تأملات خاصة تنفتح الشخصيات في غمارها على نفسها وعلى الآخرين.
وفي عشية الانطلاقة الأخيرة في الرحلة عبر شلالات لافا الغادرة، يرعب جي. تي، في سرور، الركاب الذين استبد بهم الإرهاق بحكايات عن «حالات الاقتراب من الغرق والأطراف المكسورة وتهشم الخشب».
وعندئذ لا يملك القارئ إلا التساؤل: هل يقدر لهؤلاء المرتحلين على الأطواف النجاة من محنتهم؟
ربما، ولكن القارئ في غمار قراءة رواية «في قلب الوادي الضيق» لابد له من أن يدرك أن معظمنا بحاجة للمساعدة في التخبط والاصطدام على البر.
ومع ذلك، فإننا نظل حتى الصفحة الأخيرة من هذه الرواية نتساءل عما إذا كان جي. تي سيقدر له أن يحقق أمنيته، المتمثلة في إتمام الرحلة آل 125 عبر نهر كولورادو بسلام من عدمه، خاصة وأن حب النهر يظل عشق حياته، وأنه يعتقد أنه قد رأى كل شيء، ومع ذلك فإن النهر يطرح عليه الجديد والمثير والمذهل في كل رحلة جديدة.
وتشدد المؤلفة في غمار الرواية، عبر الركاب والأدلة على السواء، على أن المغامرات الأكثر خطورة في غمار الانطلاق عبر نهر كولورادو لا علاقة لها بالشلالات ولا بالمياه الهادرة، ولها كل الصلة بالانطلاق الهادر عبر الأودية الضيقة في قلوب البشر.
وربما كان أهم ما في هذه الرواية، والذي من شأنه أن يجعلها مقربة إلى أفئدة أعداد متزايدة من القراء، أنها لا تقدم لنا رؤية واحدة للوقائع والأحداث في غمار الرحلة النهرية، وإنما تقدم لنا هذا الذي يجري عبر ستة منظورات مختلفة ربما إلى حد التناقض.
الكتاب: في قلب الوادي الضيق
تأليف: إليزابيث هايد
الناشر: نوف نيويورك2009
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
In the Heart of the Canyon
Elisabeth Hyde
336P.

