يحدثنا الشيخ أحمد سامح الخالدي عن عدة رحلات في كتابه «رحلات من دمشق إلى القدس». وقد قام بها «الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي»، فقد ابتدأ رحلته في اليوم السابع من جمادى الثاني سنة 1101 ه/1689، وأسماها «الحضرة الإلهية في الرحلة القدسية» .
واستغرقت خمسة وأربعين يوماً ذهاباً وإياباً وإقامة في القدس والخليل ونابلس، وانتهت يوم الأربعاء أوّل شهر شعبان المبارك 1101 ه/1689م.وخرج من دمشق بعد أن زار المقامات، ثم وصل خان الشيح ودخل قرية القنيطرة ونزل في تكيتها، وهذه التكايا هي أماكن معّدة لنزول الواردين والمسافرين يقدم في بعضها الطعام حسب نصّ واقفها أو شرط بانيها. واستمر الشيخ في سفرته فأشرف على قبة الشيخ «أبي الندى»، ثم وصل إلى غدير ماء طافح وصحراء مخضرّة، فنزل بالقرب من جسر بنات يعقوب المبني بالأحجار ومّر بالخان وقطع الجسر الذي فوق النهر ثم صعد في تلك المروج الخضراء ويمكن أن نتابع سيره في الأماكن التالية :
جب يوسف، خان المنيّة، قرية الناعورة، قرية جلمة، بلدة حنين، قرية عرّابة، فحمة، عجة، قرية الرامة، قرية اللاوية، قرية سبسطية، نابلس، فهي كثيرة الأعين والأشجار والفواكه، ومعظم الأشجار في ضواحيها الزيتون، وفي نابلس كثير من السامرة، و(لمّا أقبلنا على تلك الطواحين المحفوفة بالمياه والبساتين سرنا ودخلنا المدينة وقت الغروب).
ومرّ على قبة السبيل فوجدها قبة عظيمة البناء على الشكل المبني في الهواء ويصعد إليها بدرج من داخلها ولها شبابيك مطلة على ذلك المرج وتحتها بركة ماء ثم إلى الجامع الكبير الذي فيه مكان يسمى المارستان. ثم دخل الحمام اللطيف الجليل الذي يسمّى الخليل، ومزيّنة جدرانها بالنقوش البديعة وبُنيت على نظام عجيب واشتملت على أقبية وأنابيب فخارية.
ثم ركب إلى قرية عورتا، فقرية جماعين، فقرية مردا، ثم البيرة حتى دخل باب مدينة القدس، المسمّى باب العمود، فوصفه بقوله «وسور بيت المقدس سور جديد متين مشيد قوي الأركان عظيم البنيان يحيط بالبلدة كلها وعرها وسهلها مبني بالشيد والحجر المنحوت، وفي داخله جميع الأماكن والبيوت، وعدّد لنا الشيخ عشرة أبواب لسور القدس، منها باب العمود من جهة الشمال، وباب الداعية، وباب يسمّى باب دير السرب، وباب الساهرة ومن جهة القبلة باب المغاربة، وباب داود، ومن جهة الغرب باب صغير لصق دير الأرمن، وباب المحراب وباب الرحبة».
والمدرسة السلطانية تقع قرب باب السلسلة وهي من المدارس الشهيرة ببيت المقدس مبنية من الأحجار الملونة المنحوتة، ورواقها مبني بالأعمدة وشبابيكها من النحاس البراق، وهي تطل على الحرم ومبلطة بالرخام الدقيق الملوّن، وهي مقسومة إلى قسمين، قسم يتوصل إلى المطبخ وبيت الطهارة، وقسم آخر من ألطف الميادين المفروشة بالسماقي الملون والرخام الأبيض والدقي ومسقوف بالسقوف المدهونة.
ثم يصف لنا الحرم ويشير إلى ما يحيط بالصخرة من ا لداخل من الدرابزين الجديد، ثم يذكر لنا الكأس (الشدروان، بين الصخرة والأقصى، فالماء يجلب إليها من ثلاث برك كبار مبنية بالكلس والحجر. وعندهم قلعة مبنية بالأحجار المتينة يجلس فيها أناس يحرسون هذه البرك من العدو، والماء يجري من تلك البرك في سواق مغطاة بالأحجار، والظاهر أن هذه الكأس من عمارة السلطان الأشرف قايتباي).
ويصف لنا بعد ذلك صحن الحرم والمنابر، فيقول: «وبين صحن الصخرة والسّور الشرقي أشجار زيتون كثيرة من عهد الروم». ثم توجه إلى عين سلوان، وفوقها مسجد لطيف وحولها بساتين القرية المعروفة بقرية سلوان. ودخل من باب الأسباط فمرّ على المدرسة الصلاحية فوجدها «مدرسة عظيمة الآثار أبنيتها قديمة، وكأنها كانت قديماً كنيسة، فإن واجهة بابها تؤذن بذلك، وكذلك في داخلها الأعمدة والسقوف النفيسة، ويقال إنّ بها قبر حنة أم مريم، وقد وقف على قبر وهو مكان مكشوف يقال إنه قبر هيلانة أم قسطنطين التي بنت الكنيسة الجسمانية.
وأقبل على مدينة الخليل فمرّ على يسار الساري، ومرّ على مقابر المدينة، فكان ذلك اليوم خميس الأموات وقد خرجت النساء إلى زيارة المقابر حسب عادة هذه البلاد، ثم دخل بين البيوت فمرّ من يمينه على حوض من الماء يتدفق منه الماء الزلال، وعلى يمين الصاعد الذي يطبخ فيه الطعام ويفرق على المجاورين والواردين وهو سماط الخليل ويسمى «الدشيشة». وتدق على باب المطبخ الطبل خانة في كل يوم بعد صلاة العصر عند تفريق السماط الكريم.
وبعد أن وصف الجامع الإبراهيمي وزار المقامات خرج إلى صحن الجامع وجلس في مكان فجاؤوا له بالخبز والطعام من مطبخ الخليل وهو طعام العدس فأكل منه بقصد البركة.
وودّع الجامع ثم أتى إلى قرية حلحول فزار النبي يونس ومرّ ببيت اوّمر وبها قبر متى ولم يزل في السير حتى أشرف على بركة سليمان التي يجتمع فيها الماء ويجري إلى بيت المقدس، ثم يصف البرك وهي ملآنة من مياه الأمطار ومن عين لطيفة، ثم جاوزها وعرض له أن يزور بيت لحم، فزار مغارة مهد عيسى عليه السلام، وعليها قناديل من ذهب تشتعل ليلاً نهاراُ، ومكان جذع النخلة نقرة في الأرض صغيرة مزمكة بالذهب وعليها القناديل من ذهب أيضاً تشتعل في جميع الاتجاهات.
ومن عادتهم أنهم يصنعون المسابح من خشب الزيتون ويخرطونها على أنواع مختلفة ويبيعونها للزوار، فاشترى الشيخ منها ثم سار إلى القدس وبات في المدرسة السلطانية.
وأخيراً عزم الشيخ على الرجوع إلى دمشق «فلمّا كان اليوم الرابع والثلاثون حضر لوداعه جملة من أصحابه، فساروا معه خارجاً إلى باب العامود، ووصلوا إلى البيرة فنزلوا هناك على مياه كثيرة ورياض نضيرة».
وواصل إلى نابلس فخرج أهلها للقائه حتى دخل مدرسة الشيخ بدران (هو العماد عبد الحافظ سنة 698 ه) فجلس في اليوم السادس والثلاثين في تلك المدرسة حتى ورد الركب الشامي وطلب منه الشيح أحمد الحارثي أن يكتب له إجازة في الطريقة الشاذلية ففعل وذهب إلى الحمام المسمّى بحمام الريش، ثم توجّه إلى جهة مسجد الخضراء فدخل الجامع وهو قديم البنيان متهدم الأركان فيه بركة مربعّة والماء يجري من أفواه سواقيها.
الكتاب: رحلات من دمشق
إلى القدس
المؤلف: أحمد سامح الخالدي
الناشر: الهيئة العامة للكتاب ـ وزارة الثقافة دمشق 2009
الصفحات: 110 صفحات
القطع: المتوسط
فيصل خرتش

