منذ ستين عاما، حدثت في بلادنا كارثة، تعودوا على أن يطلقوا عليها «نكبة»، هذه النكبة، إذا قبلنا التسمية، كانت شاملة، تغيرت فيها ملامح طرفي النزاع، طرد العربي من وطنه وأصبح لاجئا، وتحول اليهودي من ضحية إلى جلاد، أسس الدولة التي يحلم بها على الخطيئة، واستطاع بهذا تقديم مبررات جيدة لكراهية العالم لها!
هذا الكتاب «من النكبة إلى غزة.. هو لا يزال احتلالا» يأتي محاولة لمعرفة شيء عن ملامح النكبة (نكبة 1967)، بوجهها السياسي والثقافي والإنساني، ومحاولة معرفة كيف تحولت فلسطين، التي كانت عربية، إلى دولة لليهود، كيف تم إخلاؤها من سكانها، وكيف تم محو أي ذكرى لشعب كان يعيش هنا يوما، كيف تم تدمير ذاكرته وثقافته، وذلك من خلال ثلاث مقالات لثلاثة مفكرين من داخل إسرائيل هم إيلان بابيه وجيش عاميت وحاييم هانجبي ونشرت في دورية «ميتاعام» الإسرائيلية ذات البُعد اليساري الراديكالي، ترجمها نائل الطوخي الذي قال: حاولنا أن نقدم يوميات الجريمة، الشكل الذي رآها بها اليهود، كيف عايشوها وكيف كشفت لهم عن نفسها تدريجيا، في أرشيفات الجيش الإسرائيلي وفي مذكرات القادة الذين قاموا بها، وفي اللقاءات التي قاموا بها مع أهل البلاد الأصليين.
ويضيف: هكذا، فإلى إبريل - مايو 1948 يعود بنا المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، في دراسته التي تمت ترجمتها تحت عنوان «يوميات تطهير فلسطين من سكانها» ليكتب دراسته عن تهجير الفلسطينيين من أرضهم. تفاصيل الدراسة مرعبة: عبوات متفجرة تتدحرج من الجبال إلى داخل الأحياء العربية، آبار يتم تسريب جراثيم التيفود فيها، أسواق يتم قصفها بمجرد امتلائها بالأهالي الراغبين في الهرب.
كل هذا يحدث قبل دخول الجيوش العربية فلسطين، وهو ما يدحض الادعاء الصهيوني بأن التهجير حدث استجابة لأوامر القادة العرب وردا على هجومهم. أركان جريمة الإبادة كاملة، وكلها حدثت قبل دخول الجيوش العربية فلسطين، وعندما يكون الحال هكذا، فإن الأمر لا يصبح «داود اليهودي يواجه جوليات العربي»، كما هي الصورة الشائعة في الخطاب الصهيوني.
النكبة لم تكن نكبة سياسية فحسب، كانت ثقافية كذلك، واجهت إسرائيل مشكلة قانونية في كيفية التعامل مع الكتب التي تركها العرب في بيوتهم مع فرارهم. في المقالة الثانية التي ترجمت تحت عنوان «قيام وانهيار الكتاب الفلسطيني» يكشف جيش عاميت، الباحث بجامعة بن غوريون، عن وقائع حرق وفرم الكتب الفلسطينية، الكتب التي تركها أصحابها العرب في بيوتهم عشية مع فرارهم، يكشف وقائع إنشاء المكتبة العربية في مدينة يافا من هذه الكتب، واستغلال الدولة اليهودية الناشئة لها، تمتعها بالأرباح التي أدخلتها لها، ثم فرم كتبها واحدا واحدا لدوافع أمنية، بعد أن استنفذت الغرض منها وبعد اكتشاف أن بعضها يحوي «تحريضا» ضد الدولة.
في المقالة الثالثة «العسل الذي سرقناه»، يسترجع الناشط والكاتب المسرحي حاييم هانجبي، طفولته في مدينة القدس، يتذكر جيرانه العرب، يتذكر كيف صحا اليهود ذات يوم ليكتشفوا أن المدينة صارت يهودية، وأن جيرانهم قد غادروها. تبدأ المعلومات في الظهور عن تاريخ النكبة، يصير حل لغز اختفاء العرب أسهل مما كان، وفجأة يلتقي هانجبي بقائد فتحاوي.
القائد، الذي كان جارا له، يسرد له كيف مر الأمر بهم، كيف كان اليهود يطلقون النار باتجاههم وهم جالسون في المقاهي، كيف قرروا المغادرة، ثم كيف تحول الابن إلى محارب من أجل حرية فلسطين. يحكيان عن تفاصيل مشتركة، تفاصيل يصبغها حنين لوطن يضم الجميع، عربا ويهودا، بدون طرد أحد أو سرقة بيت أحد، بدون «نكبة» و«ترانسفير». هل هذا الحلم مازال ممكنا؟ لا يجيب أي منهما. فقط يرسمان ملامح لوطن واحد لم تشوه الإبادة الجماعية ملامحه.
الكتاب: من النكبة إلى غزة هو لا يزال احتلالا
تأليف: إيلان بابيه و آخرون
ترجمة: نائل الطوخي
الناشر: الطبعة الأولى 2009
الصفحات: 117 صفحة
القطع : المتوسط
محمد الحمامصي

