يعرِّفُ الباحث الفلسطيني الياس شوفاني إسرائيل الراهنة بأنها تكوين استيطاني يهودي تشكل عبر هجرات جماعات سكانية متعددة إلى فلسطين، القاسمُ المشترك بين هذه الجماعات هو انتماؤها إلى «اليهودية»، مع أنها تعود إلى أصول عرقية وإثنية مختلفة، وقد جاءت من دول كثيرة لتستقر في إقليم ومحيط غريبين عنها، منطلقة من نقطة الصفر تقريباً في التركيب الديموغرافي لهذا الإقليم.
إن للمشروع الصهيوني، كما جرى تصوره منذ انطلاقه، ثلاثة أبعاد: البعد الفلسطيني ويتلخص بتهويد فلسطين أرضاَ وسوقاً، وتغييب شعبها، ونفي وجوده المادي والمعنوي. والبعد العربي يتعلق بصُلب المشروع الإمبريالي العام الحاضن للمشروع الصهيوني، ويقوم على الهيمنة على شعوب المنطقة وثرواتها الاقتصادية. والبعد الدولي القائم على تسخير إسرائيل، بوصفها «ثكنة استيطانية»، لخدمة الاستعمار الدولي على الصعيدين الشرق أوسطي والكوني.
تجلت مظاهر المقاومة للمشروع الصهيوني على نحو جلي في ثورة يافا التي أعقبت وعد بلفور، تلتها ثورة البراق سنة 1929 في القدس التي قامت على إثر صدام بين اليهود والعرب عند الحائط الغربي للحرم القدسي الذي يعتبره المسلمون «حائط البراق» بينما يسميه اليهود هيكل سليمان أو «حائط المبكى»، ..
تلتها ثورة عز الدين القسام سنة 1935 التي نشأت عن تفاقم التناقض لدى الإنسان الفلسطيني بين الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني، وقد اتَّبَعَ القسام أسلوب التنظيم السري، والهجوم المسلح التكتيكي، وشهدت فلسطين إضراب عاماً في سنة ,1936. دواليك وصولاً إلى مشروع التقسيم واستئناف الثورة الفلسطينية.
لقد وعت قيادة الحركة الصهيونية منذ بداياتها فكرة أن تشكيل المنظمات (الإرهابية) أمر ضروري جداً لحماية الهاجس الاستيطاني التوسعي الإسرائيلي، فشكلت النقابة العامة للعمال اليهود (الهستدروت)، والوكالة اليهودية، وعصابات الهاجانا التي تشكلت سنة 1931 بقيادة أبراهام تهومي.
في أواخر الحرب العالمية الثانية، عندما زال الخطر النازي عن الشرق الأوسط بعد النصر البريطاني في معركة العلمين، والنصر السوفياتي في ستالينجراد، عادت القيادة الصهيونية إلى توتير العلاقات مع بريطانيا.
واكتشفت السلطات البريطانية أن عملاء الهاجانا الصهاينة أقاموا شبكة واسعة لسرقة السلاح من مستودعات الجيش البريطاني، وقامت منظمتا (أيسل وليحي) ببعض الأعمال التخريبية ضد سلطة الانتداب، وألقت هذه السلطات القبض على عدد منهم وحاكمتهم. وقد قسمت الهاجانا إلى تشكيلين قطريين: قسم الجيش (هحايل) لمواجهة الخطر الخارجي، وقسم الحرس (همشمار) للدفاع عن الاستيطان داخلياً.
عشية الانسحاب البريطاني من فلسطين تم الإعلان عن قيام دولة إسرائيل في 15 مايو 1948، وفي تلك الفترة كان مركز ثقل المشروع الصهيوني قد انتقل من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، بدليل أن الرئيس الأميركي هاري ترومان اعترف بدولة إسرائيل بعد عشرة دقائق فقط من إعلان بن جوريون قيامها.
اشترك فيما سمي حرب الإنقاذ (48) كل من الجيش اللبناني والسوري والعراقي والأردني والمصري، وهذه الجيوش تقدمت من رأس الناقورة إلى عكا، ومن بانياس باتجاه صفد والناصرة.
ومن إربد إلى غور بيسان والخضيرة ونتاليا، ومن رفح إلى المجدل وبئر السبع، وكان القائد العام للجيوش كلها الملك عبدالله الذي قد عدل الخطة، بناء على توصية الجنرال جلوب، قبل الهجوم الأخير بيومين، مما أربك مهمات الجيوش ومحاور عملياتها.. ثم جاءت الهدنة الأولى لتزيد في إرباك الجيوش، وتوقف اندفاعها، وقررت الهدنة الثانية التي أعقبنها نشر بنود مشروع برنادوت في 20 / 9/ 1948 ويتضمن تقسيم فلسطين واعتراف الدول العربية بها وضم الأراضي العربية إلى شرقي الأردن ووضع القدس تحت إشراف دولي.
كانت مشاركة إسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر (حرب السويس 1956) هي المغامرة الأولى لتأمين دورها الوظيفي وموقعها في استراتيجية التحالف الغربي الاستعماري تجاه منطقة الشرق الأوسط. وقد شاركت في الحرب بحوالي (18) لواء، وتحركت في الأراضي المصرية على قطاع القصيمة- أبو عجيلة، ثم تحركت غرباً بدعم من الأسطول الفرنسي.
شهدت الفترة بين عامي 1961 و1964 جدلاً حاداً في إسرائيل حول بناء الجيش الإسرائيلي بين مدرسة بن جوريون ممثلة بموشيه دايان وشيمون بيرس التي تنادي بتطوير الجيش على نحو علمي متقدم وتزويده بطيف واسع من الصواريخ والأسلحة الرادعة (الذرية والبيولوجية والكيماوية)، وإعداده بقوة رادعة للحروب المستقبلية، ومدرسة البلماح التي يمثلها يغال آلون وإسحاق رابين التي رأت أن على الجيش أن يستعد لمواجهة عسكرية قريبة في الستينيات، وبالتالي يجب إعطاء الأولوية لسلاح الدروع كقوة متحركة حاسمة، وسلاح الجو للأعمال التكتيكية.
وقد حسم الجدل لصالح التيار الأول، ومع ذلك شنت إسرائيل الحرب في (67). تعتبر حرب 1967 منعطفاً فكرياً وآيديولوجياً وسياسياً في تاريخ إسرائيل، والنصر العسكري الباهر الذي حققه الجيش الإسرائيلي فيها جعل الإعلام يتحدث عن الخوارق الطوباوية وعن عناية إله إسرائيل بشعبه المختار.
وقد رسخت تلك الحرب مركزية إسرائيل في حياة يهود العالم، سياسياً وثقافياً ودينياً، واستفادت إسرائيل من أخطائها في حرب السويس (56)، بدليل أن الرئيس الرئيس الأميركي جونسون أيد الحرب، وأيد الذريعة التي أعلنتها إسرائيل لبدء الحرب وهي إغلاق مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية.
ولم تكن إسرائيل لتتوقع أن يجرؤ السوريون والمصريون على شن حرب كبرى عليها مثلما حصل في (73)، بسبب ثقتها بقوتها الرادعة، وقد حقق الجيشان، بسبب التنسيق، والمفاجأة الصاعقة، انتصارات هامة، الأمر الذي استلزم، بحسب وزير خارجية أميركا هنري كيسنجر، إعادة تقويم جذرية للوضع، واستدعى مد جسر جوي مباشر لمصلحة إسرائيل.
سنة 1981 فشلت الغارات الإسرائيلية المكثفة على بيروت الغربية من تحقيق أهداف إسرائيل في القضاء على المقاومة، فقامت بالاجتياح الشامل للبنان، وهذا أدى إلى استباحة الأراضي والأجواء اللبنانية على مدى (18) سنة، أي حتى سنة 2000، وتجلت آخر حروب إسرائيل ضد العرب في القرن العشرين بالمذابح الكبرى التي ارتكبتها بحق المدنيين الفلسطينيين في عمليات عسكرية واسعة حملت اسم (عناقيد الغضب).
الكتاب: الحروب الإسرائيلية العربية (في القرن العشرين)
تأليف: الياس شوفاني
الناشر: دار الحصاد دمشق 2009
الصفحات: 332 صفحة
القطع: الكبير
خطيب بدلة
