إن الغرض من كتاب صالح خضر محمد « الدبلوماسية البريطانية في العراق ؟ دراسات تاريخية »، تتبع نشأة وتطور مهام الدبلوماسية البريطانية في العراق قبل الحرب العالمية الأولى، وتحديد المصالح البريطانية في تلك البلاد، وأهداف العلاقات المحلية التي أقامها الدبلوماسيون مع زعماء القبائل والجماعات الدينية، ناهيك عن كيفية ترشيح أولئك الدبلوماسيين ومسؤولياتهم أمام حكومة الهند البريطانية من جهة ووزارة الخارجية من جهة أخرى.

وقد اعتمد المؤلف في كتابه هذا، على مراجعة عدد كبير من الوثائق والمراسلات التاريخية التي توثق للمرحلة بين عامي 1831، 1914. فقبل ذلك التاريخ كانت العراق واقعة تحت سيطرة الحكم المملوكي وبعض الزعامات المحلية، وبعد ذلك التاريخ بدأت الحرب العالمية الأولى التي أفضت إلى الاحتلال البريطاني للعراق.ويعود تطور المصالح البريطانية في العراق إبان القرن العشرين إلى ازدياد المصالح السياسية المتمثلة أولاً بازدياد المنافسة الدولية في المنطقة، الأمر الذي دفع بريطانيا للحرص على تثبيت وجودها في العراق، وثانياً بأهمية العراق في المواصلات بين الهند وأوروبا. أما المصالح الاقتصادية فتمثلت باهتمام بريطانيا بجلب المواد الخام العراقية إلى مصانعها، والاستفادة من طرق المواصلات لتنشيط العلاقات التجارية بين بريطانيا والمشرق عموماً.

وقد تمثلت المصالح الدينية لبريطانيا في إرسال المبشرين لنشر المذهب البروتستانتي بين أوساط الطوائف المسيحية الموجودة في العراق، ولاسيما بين أوساط السريان الشرقيين والكلدان، يضاف إلى تلك المصالح دخول بريطانيا معترك التنافس على تهريب نفائس المكتشفات الأثرية.

وفيما يتعلق بمهام الدبلوماسيين البريطانيين في العراق، فقد وجد المؤلف أنه وبالرغم من أن الأعراف والتقاليد الدبلوماسية حددت مهام القناصل، في رعاية المصالح الاقتصادية والإشراف على شؤون رعايا دولتهم في المناطق التي يخدمون بها، إلا أن الدبلوماسيين البريطانيين في العراق تجاوزوا هذه المهام من خلال النشاط الاستخباراتي الواسع الذي قاموا به، ودعوتهم الحكومة المركزية إلى احتلال العراق في أكثر من مناسبة، سيما وأن الدبلوماسيين البريطانيين من الأوائل الذين توقعوا انهيار الدولة العثمانية واحتمال تجزئتها منذ أواخر القرن التاسع عشر.

ومع ازدياد التنافس الدولي على العراق والخليج العربي منذ بدايات القرن العشرين، أخذت الدبلوماسية البريطانية تنشط في مختلف المجالات، لتقوية نفوذها في العراق واتخاذ كل ما يلزم استعداداً لكافة الاحتمالات، ولا سيما مواجهة نفوذ الأطراف الأخرى الراغبة في تقاسم التركة.

كما ركز المؤلف على استغلال البريطانيين لوقف « أوده »، وهو عبارة عن أموال يرسلها ملك أمارة شيعية في الهند لفقراء كربلاء والنجف. وعلى اعتبار أن هذه الأموال كانت توزع بإشراف القنصل البريطاني، فقد استغل هذا الأخير هذه الأموال لتمرير بعض المصالح السياسية وإقامة بعض التحالفات التي تمس سيادة العراق، وقد وصل هذا التدخل أوجه، عندما كان يُطلب من العلماء المستفيدين من أموال الوقف، إصدار فتاوى ذات توجيهات معينة، تحت تهديد التوقف عن منحهم أموال الوقف.

ولا يفوت الباحث التوقف مطولاً عند العلاقات المحلية التي أقامها الدبلوماسيون البريطانيون مع فئات مختلفة من الشعب العراقي. وتأتي في مقدمة هذه العلاقات، العلاقات مع زعماء العشائر العربية والأكراد ورجال الدين والولاة. فقد رصد المؤلف الاهتمام الكبير الذي أولاه الدبلوماسيون البريطانيون بزعماء العشائر، لما لهذه العشائر، والتحالفات التي تقيمها بينها، من دور كبير في الساحة المحلية. بحيث بات واضحاً أن السيطرة على العراق تمر عبر النظر إلى تلك العشائر بوصفها قوة مهمة وأساسية لابد من أخذها بعين الاعتبار.

فقد أتضح للمؤلف أن البريطانيين دعموا، أكثر من مرة، الخلافات بين تلك العشائر، كما أنهم شجعوا تلك العشائر على التمرد على السلطة العثمانية. وقد وصل الأمر إلى حد أن زعماء بعض العشائر طلب الحماية البريطانية عندما كانت تسيء علاقاتهم بالدولة العثمانية.

أما الاهتمام بإقامة علاقات جديدة مع الكرد فقد أتت نتيجة الموقع الاستراتيجي الاستثنائي لكردستان في المثلث بين تركيا وبلاد فارس وروسيا القيصرية. أما الملامح العامة لسياستهم مع الأكراد فكانت في إطار دعم الأكراد على الثورة ضد السلطنة العثمانية وتشجيع التدخل الفارسي والروسي في كردستان.

المؤلف في سطور

الدكتور صالح خضر محمد، مختص بتاريخ العراق وإيران الحديث والمعاصر. له الكثير من البحوث التي تتناول التاريخ السياسي والاقتصادي للعراق. كما شارك في كتاب (العراق ودول الجوار) الصادر عام 2006، وله بحث بعنوان ((رضا شاه والمؤسسة العسكرية الإيرانية)).

الكتاب : الدبلوماسية البريطانية في العراق دراسة تاريخية (1831 - 1914)

تأليف: صالح خضر محمد

الناشر : دار الزمان دمشق 2008

الصفحات : 198 صفحة

القطع: الكبير

رشيد الحاج صالح