شهدت الساحة السينمائية في سوريا نشاطا ملحوظا خلال العام 2009 مقارنة بالسنوات العشر السابقة، فقد شملت القائمة الإنتاجية حوالي عشرين فيلما، شارك في إنتاجها القطاعين العام والخاص وبعض الجهود المستقلة، وتنوعت مابين الأفلام الطويلة والقصيرة، الروائية والتسجيلية وأفلام الرسوم المتحركة.

وقد يكون السؤال حول مستقبل هذا الحراك وطبيعة المشهد الذي أسفر عنه على المستويين الفكري والفني، هو أحد أهم الأسئلة التي تشغل بال المعنيين بالشأن السينمائي. على الرغم من صعوبة إعطاء أرقام دقيقة حول واقع الإنتاج السينمائي في سوريا بسبب غياب الأدلة ذات الصلة، فإن معطيات السبر الميداني تشير إلى إن عدد الأفلام الطويلة المنتجة خلال العام الحالي بلغ ستة أفلام، منها أربعة أفلام روائية هي: «بوابة الجنة» تأليف حسن سامي يوسف إخراج ماهر كدو إنتاج المؤسسة العامة للسينما و«مرة أخرى» تأليف وإخراج جود سعيد إنتاج مشترك ما بين المؤسسة العامة وسوريا الدولية، «الليل الطويل» تأليف هيثم حقي .

وإخراج حاتم علي إنتاج ريل فيلم، «لكل ليلاه» تأليف ديانا فارس إخراج سهير سرميني إنتاج الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ثم فيلم الرسوم المتحركة الطويل «طيور الياسمين» قصة ديانا فارس سيناريو وإخراج سلافة حجازي إنتاج مشترك ما بين المؤسسة العامة وشركة تايغر.وأخيرا الفيلم المستقل «هيه لا تنسي الكمون» تأليف وإخراج وإنتاج هالة العبد الله.أما بالنسبة للأفلام المتوسطة الطول والقصيرة فمن الروائية هناك «شوية وقت» (27د) سيناريو ريما فليحان إخراج ماهر صليبي إنتاج المؤسسة العامة للسينما، «عيد ميلاد» (8د) سيناريو دلع الرحبي إخراج عمر علي إنتاج شركة صورة.

«سامية» (40د) تأليف وإخراج وإنتاج عمار البيك، «ملامح دمشقية» (32د) لريمون بطرس إنتاج الإدارة المحلية بتمويل من مفوضية الاتحاد الأوربي.

هذا بالإضافة إلى مجموعة الأفلام الوثائقية التلفزيونية التي أنتجتها شركات الليث والرحبة وبروآكشن والذهبي بتمويل من القنوات الفضائية.

ملاحظات أولية

بالنظر إلى القائمة المذكورة يمكننا أن نسجل مجموعة من الملاحظات، أولها يتعلق بتنوع الأجناس الفيلمية، وثانيها يخص تنوع الجهات المنتجة الذي ترافق مع الاتجاه نحو بناء شراكات إنتاجية ما بين القطاعين العام والخاص، كما ترافق مع ازدياد عدد المبادرات المستقلة، لكن المؤسف هنا أن المتغيرات الإنتاجية لم تتزامن مع تغير ملموس في آليات العرض الجماهيري وشروطه.

بحيث أن جميع الأفلام السابقة لم تحظ سوى بفرصة عرض واحدة أو عرضين على الأكثر من خلال مهرجان دمشق السينمائي أو ضمن عروض خاصة في المراكز الثقافية، ذلك باستثناء فيلم «الليل الطويل» الذي لم يشاهده الجمهور السوري بعد، مع أنه جال في العديد من مهرجانات السينما الدولية، وحصد الكثير من الجوائز الهامة، وحسب ما نشرته الدوريات العربية قد يكون واحدا من أهم الإنتاجات الخاصة في تاريخ السينما السورية.

في كل الأحوال فقد حملت أفلام العام باقة منوعة من الموضوعات، كان في مقدمتها الموضوع الفلسطيني احتفاء بمناسبة القدس عاصمة الثقافة العربية لعام 2009، كما هي حال أفلام «بوابة الجنة» و«شوية وقت» و«سامية»، كذلك كان ثمة وقفة مع المعتقل السياسي وسجناء الرأي في فيلم «الليل الطويل» والمنفى القسري في فيلم «هيه لا تنسي الكمون».

والعلاقات السورية اللبنانية في فيلم «مرة أخرى»، وهذا ليس بالأمر الجديد على المخرجين السوريين الذين طالما اهتموا بالقضايا المصيرية الكبرى والبعد السياسي للواقع المحلي. إلى جانب الموضوعات القومية والسياسية فقد احتل موضوع الحب وبعض الحالات الإنسانية الفردية المرتبة الثانية من أفلام العام، كما هي حال فيلم «لكل ليلاه» وفيلم «عيد ميلاد».

وعلى خلاف السنوات السابقة فقد كان بإمكان المتابع لهذا التشكيل المتعدد الجهات والتطلعات أن يلاحظ أن الإنتاجات الخاصة والمستقلة كانت هي الأكثر نضجا على المستويين الفني والفكري، فسواء تعلق الأمر بفيلم «بوابة الجنة» أم «لكل ليلاه» ثمة عودة إلى المقولة المباشرة والمعالجة الأحادية النظرة.

وهناك جملة من الثغرات الفنية الحقيقية ذات الصلة ببنية السيناريو وطبيعة الشخصيات وإدارة الممثل، بعكس التقاليد التي كرسها القطاع العام منذ ثمانينات القرن العشرين، والتي تميزت بالنظرة العميقة والرؤية الشعرية المتعددة المستويات في مقاربة القضايا القومية والإشكالات الاجتماعية والإنسانية.

بوابة الجنة

ولو أخذنا فيلم «بوابة الجنة» كشاهد على ما تقدم ذكره فقد تناول الفيلم الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية عام 1987 من خلال أب (تيسير إدريس) يحب وطنه، لكنه يخاف على أفراد أسرته من الاعتقال أو الموت برصاص المحتل، فيبني لهم منزلا على أطراف قرية نائية، ويحاول أن يبعدهم عن العمل النضالي، لكن ابنه علاء الدين (محمد الأحمد) ينخرط في صفوف المقاومة.

ويستشهد أثناء الانتفاضة، بينما تقوم ابنته الطبيبة (نادين سلامة) بعلاج جراح أحد المقاومين المطلوبين حين يلجأ إلى بيتهم، فتسارع سلطات الاحتلال إلى اعتقال الجريح المطلوب وهدم المنزل، لينتهي الفيلم بلقاء الجميع في الجنة بعد استشهادهم، حيث يعيشون ضمن المخيمات التي خصّصتها السماء للاجئين الفلسطينيين.

وكما هو واضح فإن مقولة الفيلم تفضي إلى أن المقاومة هي السبيل الوحيد لاستعادة الأرض والحقوق المغتصبة، لكن المقولة الهامة طُرحت وعُولجت بالحد الأدنى من أدوات التعبير الفني، فالشخصيات والحوارات تم تنميطها وتبسيطها وفق مفاهيم الخير المطلق والشر المطلق.

لتغدو في خدمة المقولة الرصينة، ولم يجر الانتباه إلى زمن حدوث الحكاية المقترحة، أي قبل أكثر من عشرين عاما، فصُممت الأزياء وتسريحات الشعر وفق خطوط الموضة الراهنة.

وتم تصوير أغلب المشاهد بكاميرا ثابتة جعلت اللقطات تبدو متجهمة والانتقال فيما بينها بطيء، وغلب البرود على أداء الممثلين، ما أدى إلى خلق شعور لدى المتلقي في الجزء الأكبر من الفيلم بأنه أمام درس في النضال، وليس أمام منجز سينمائي يتناول قضية محورية ومعقدة كقضية فلسطين.

سامية

في مقابل ذلك فقد تناول فيلم «سامية» لعمار البيك الموضوع الفلسطيني من زاوية نظر المبدع والمنجز الفني، إذ تمحوّر الفيلم حول تجربة الفنانة التشكيلية الفلسطينية سامية الحلبي، لكن بطريقة عرض تنطلق من أسلوب تجريبي صرف، يدمج ما بين عدة خطوط وأدوات فنية متباينة، تتقاطع دون أن يصل ما بينها سوى فكرة الذهاب والإياب مابين الشخصي الخاص .

والفضاء العام للنكبة، ذلك أن الفيلم يتكون من ثلاثة خطوط مستقلة من حيث البنية والمادة الفيلمية، الخط الأول هو عبارة عن مقاطع أرشيفية مصوّرة تشكل بمجموعها استهلالا دلاليا للواقع الفلسطيني، والثاني مشاهد حية التقطتها عدسة الفنانة في مدينة رام الله، والخط الأخير روائي.

الفيلم مهدى إلى محمود درويش، ويبدأ بمقطع من حوار متلّفز له يقول فيه: «إن شهرة الفلسطينيين والاهتمام بهم على المستوى الدولي نابع من اهتمام العالم بالمسألة اليهودية»، ثم ينتقل الفيلم إلى لقطة ضبابية لأوباما وهو يقول في خطابه: «إن القدس ستبقى عاصمة إسرائيل.

وينبغي أن تبقى غير مقسّمة» وهذا المقطع سوف يتكرر في سياق الفيلم إلى أن تضح صورة الرئيس الأمريكي بشكل جلي، بعدها ينتقل الكادر إلى المخرج الفرنسي جان لوك غودار وهو يقول: «مبدأ السينما الذهاب إلى الضوء وتسليطه على ليلنا».

ومن ثمة يقول: «في عام 1948 يذهب الشعب اليهودي إلى المتخيل (الأرض الموعودة) والشعب الفلسطيني له الوثائقي»، وتنتهي المقاطع الأرشيفية بشاشة سوداء كُتبت عليها كلمات درويش «انصتوا إلى ما في الريح من كلمات»، لتدخل الكاميرا بعدها إلى غرفة عمار البيك، وتلتقطه وهو يفكر بقضية شعب اغتُصب حاضره، ولم يبق له سوى تاريخ يحاولون تزييفه.

تنتهي المقدمة الطويلة بلوحة لسامية، ليدخل الفيلم في مادته الأساسية التي تحكي عن الفنانة وظروف نشأتها ومرجعياتها البصرية من خلال صور لوحاتها التي عُرضت العام الفائت في غاليري أيام بدمشق.

ومن خلال المشاهد الحية التي قامت هي بتصوريها خصيصا لعمار، وكما تشير المادة المصوّرة فسامية الحلبي من مواليد القدس عام 1936، وجدت نفسها مضطرة للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد نكبة 1948، لكن حقول الزيتون وحجارة فلسطين وشمسها الدافئة ظلت هي منطلق التشكيل لديها.

وهي تقول: «الحجارة هي كلمات الشعب الفلسطيني، الشعب وليس السلطة الحاكمة»، وتنتهي رحلة عدسة التصوير بهدية للمخرج هي ألبوم من الحجارة جمعته الفنانة من كل مدن فلسطين وغصن زيتون من القدس.

وفي هذا السياق تتقاطع المشاهد الحية بمشاهد روائية تبدأ بامرأة جالسة على ناصية الطريق، تنهض وتسير بعد مرور سيارة شرطة إسرائيلية، تمر بأحياء قديمة مهجورة، تدخل مقبرة، تنشر الملابس السوداء، تواصل سيرها بين الحقول وتصغي إلى كلمات الريح في رحلة لم تتضح معالمها، لكنها تشير إلى واقع الشتات والجنازات المستمرة التي يعايشها الفلسطينيون منذ أكثر من نصف قرن.

وفي ظل هذه البنية المتعددة المرجعيات والمستويات اعتمد المخرج مبدأ التشظي لا التسلسل، وأسلوب التنافر لا التناغم أثناء الربط ما بين المكونات المتباينة، كما اعتمد بعض اللقطات المطوّلة، ما أدى أحيانا إلى الشعور بعدم تماسك المشاهد وتطويلها دون مبرر كاف.

لكنه مقابل ذلك في كثير من الأحيان استطاع أن يصل إلى جزر ضوئية منفصلة تشي دون شعارات جاهزة بمأساة شعب يقاوم واقع الإبادة الجماعية بالفن وبحجارة أرضه السليبة.

المخرج عمار البيك

مواليد دمشق 1972، أقام معرضه الضوئي الأول عام 1996، وأتبعه بثلاثة معارض، وفي عام 1997 دخل عالم السينما، وحقق تسعة أفلام تسجيلية قصيرة من إنتاجه، منها:

«حصاد الضوء»، «إنهم كانوا هنا» و«القدس»، إلى جانب الفيلم التسجيلي الطويل «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها» الذي حققه بالاشتراك مع هالة العبد الله، وقد عُرضت أفلامه في كثير من المهرجانات الدولية، وحصدت العديد من الجوائز الهامة.

تهامة الجندي