ما زال الفنان التشكيلي الإماراتي حسن شريف يمثل حالة منفردة على خارطة التشكيل المحلي، وتنبع قوة أعماله التي غلب عليها المنحى المفاهيمي، من إلغاء الاهتمام بالجمال ذهاباً إلى الفكرة والموضوع الذي يفترضه حسن مناسبة للاشتراك في حديث مفتوح مع متلقيه.

كما شكل التراكم الفني الذي أنجزه حسن خلال مسيرته، ملامح دخول التيار الحداثوي إلى محيط الرسم المحلي، ومنه انطلقت الأسئلة حول مفاهيم الحداثة ومدارسها، وسجل حسن بذلك انطلاقة الثورة على الساكن في التشكيل المحلي، إضافة إلى كتبه الأربعة التي قدمها لمكتبة التشكيل المحلي والتي تعد من أهم القراءات النقدية التي أرّخت تفاعلات الساحة المحلية بالتجريب الفني.منذ أن بدأ التشكيل المحلي يحقق حضوره في البدايات من خلال معارض جماعية وفردية هنا وهناك، وبروز أصوات فنية وتبلور ملامح وخصوصيات بعضهم، كانت اللوحة ساحة وحيدة لأفكار الفنانين بالتوازي مع النحت. وبين النحت واللوحة فتح التشكيليون المحليون لأنفسهم، نوافذ على تجارب جمالية شديدة القرب بواقعيتها ورومانسيتها، ومتفردة في الوقت نفسه والتي لاقت الكثير من الاستحسان. وفي سجل ذاكرة التشكيل المحلي، العديد من هؤلاء الفنانين وأعمالهم الفنية التي تشكل علامات ومحطات مهمة، في المخزون التراكمي لمنجزات هذه الحركة.

حسن شريف (1951)، واحد من أعلام التشكيل الإماراتي، سواء على الصعيد الشخصي كفنان أكاديمي ومنظّر في الفن الحديث، أو عبر تقاطعات مشروعه الإبداعي مع المحيط من حوله، فقد أسس منذ البداية ظاهرة مقلقة وموترة، تحمل على الدوام روح المجازفة بحدتها وخروجها عن مألوف واقعها.وهو واحد من المجددين، ومولدي تيار الحداثة في التشكيل المحلي، ويعد عراب خط فني سار في بحره عدد من التلاميذ المريدين لتجربته، وممن أصبحوا فيما بعد علامات في الصورة العامة للتشكيل الإماراتي، وساروا في النهج نفسه، وشكلوا معه جماعة طليعية أسست للفن المفاهيمي، وهو أسلوب التصق بثورة الفرنسي دوشان.بتحريضات من حسن شريف نفسه، كسرت المجموعة أيقونة اللوحة، وثارت على الرسم وفرغته من مفاهيمه التقليدية وحررته من أي قيد أو أسر، وحاربت فكرة الفن في خدمة الجمال والترف والزينة.

وقد قادت مجموعة حسن شريف أفكار الحداثة التشكيلية الإماراتية، وسط موج متلاطم تشكل من آراء نقدية بين تشكيليين كلاسيكيين منحازين لمدرسة الرسم وشروطها.. وفي بداية التسعينات، وعبر تواجد حسن شريف في المشهد التشكيلي الإماراتي، ومن خلال حضوره القوي في فضاء جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وامتلاكه مرسما يدرب فيه تلاميذه، قلب حسن شريف الموازين وثار على اللوحة.

ومنها انطلقت أعماله الفنية القائمة على جانب كبير من النحت وجانب من حرية الانتقاء. وبدأت تلك الثورة تصادق المواد البيئية البسيطة ومخلفات السلع والبضائع وقصاصات الجرائد وقطع الحديد، ثم القلم والفرجار والأرقام والمربعات الهندسية.. قصاصات صغيرة واسكتشات، صور فوتوغرافية تسجل أداء الحياة اليومية للفنان.

وفي خضم هذه الثورة، اوجد حسن شريف لنفسه نافذة وحيدة ومنفردة يغرد فيها خارج سرب التقليدي، بل ويذهب بعيدا في فلسفة العمل الفني في ساحة تشكيلية لا زالت تتحسس طريقها نحو الأسلوبية التقليدية، كان حسن ورفاقه يشطحون بعيدا في المفاهيمية، وكانت أعمال حسن النافرة مستفزة على الدوام، وثائرة وتمتلك لغتها التي تحاور بها محيطها بنبرة احتجاج واضحة، ضد كل ما يقلق شاعرية الإنسان ورقته أيضا.

وهي بذلك جمعت حولها جمهور من المحبين والمتذوقين الذين صاروا يحرصون على تقفي أثر نتاجات وإبداعات هذا التشكيلي.. أما فن الكاريكاتير فقد طوعه حسن لخدمة احتجاجاته على أوضاع السياسة العربية في ذلك الوقت، حينما بدأت رسوماته تظهر على صفحات الصحف المحلية، وهو ما عرضه في يوم ما إلى إيقاف صدور صحيفة بسبب كاريكاتير يسخر فيه من أمر العجز العربي أمام الظلم والاستلاب والاستبداد.

وفي تجربة الكاريكاتير وجد حسن شريف متنفساً لاعتلاجات صدره، وكانت أعماله المفاهيمية تسير بالتوازي نفسه، وانتقل إلى مرحلة أخرى وظف خلالها المخلفات التي كان يجمعها في أعمال فنية صارخة في وجه المدنية والحضارة التي تقوم على سحق إنسانية الإنسان.

كما ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حينما راح يكرس في العمل الفني قيمة الانهماك في العمل، والتكرار المستمر، ولحظة الاشتغال، حيث سجل لقارئه أو متلقيه متلقيه جميع تفاصيل بناء عمله الفني، وهي محاولة صريحة نحو دفع المتلقي إلى حالة القبض على لحظة التعب الإنساني، أو حالة تلك الاستمرارية الكادحة المنجزة والمعبرة.

وكثيرا ما صرح حسن شريف هنا وهناك، بأن عمله الفني لا يغيّب ولا يخدع مخيلة المتلقي ولا يتواطأ معه، ولا يمارس عليه الخديعة، حتى ولو كانت إغراء باللون والشكل الجميل.

فهو يذهب مباشرة إلى دعوة المتلقي وفتح حوار مباشر معه، فحسن يتحدث وينظّر ويغوص في تفاصيل الحياة بفلسفة عميقة، هي في النهاية منتصرة دائماً لهذا العبقري.. الإنسان.

في معرضه الأخير في غاليري «ون باي ون» في دبي في نوفمبر الماضي، عرض خمسين عملا، بعد رحلة طويلة من التجارب والمعارض والجوائز وبعدما انتشرت أعماله في العديد من المعارض الدولية في كوبا وهولندا والقاهرة وألمانيا. كما توجد بعض أعماله ضمن المقتنيات الدائمة لمتحف الفن الحديث في الدوحة، وفي متاحف الفنون في كل من الشارقة وهولندا..

يعود حسن في معرضه الأخير تحت عنوان «مؤتمر صحافي» وهو عنوان تنكشف قصيدته منذ الوهلة الأولى عند كومة كبيرة من «النعل» الملون، حيث يعود حسن إلى كانفا اللوحة والريشة واللون.

يقدم في هذا المعرض سيناريو مصورا من خلال تراكيب فنية ملقاة على الأرض ولوحات معلقة على الجدران..

سألت «مسارات» حسن في المعرض، «هل عدت للوحة من باب الحنين لرائحة الألوان وملمس قماش الكانفس؟» فأجاب بإنكار شديد قائلا، «لا أقبل بكلمة عودة. أنا أرسم، ولم أتوقف عن رسم اللوحات، الموضوع هو الذي يختار عناصره وأدواته، قدمت ولا زلت أشارك في العديد من المعارض داخل وخارج الدولة بلوحاتي القديمة والجديدة»..

رفض حسن الاعتراف بأمر العودة إلى اللوحة، وعبر من خلال لوحات معرضه «مؤتمر صحافي» عن فكرته بوضوح، كما وظف في رسوماته أفكار المفاهيمية، ومن المحتمل أن فكرة الموضوع الذي أراد طرحه دفعه باتجاه العودة إلى اللوحة والتوحد معها.

يبدو معرض «مؤتمر صحافي» في جانبه الرئيس واضحا، وفيه إحالة إلى حادثة الصحافي العراقي منتصر الزيدي الذي اشتهر برمي حذائه على الرئيس الأميركي السابق «جورج دبليو بوش» خلال مؤتمره الصحافي في المنطقة الخضراء ببغداد..

فالقراءة المسحية للمعرض تشير إلى تلك الحادثة بوضوح، حيث كومة من «النعل» في البداية ثم لوحات منتظمة فيها وجوه تصرخ من فوق المنابر، ومؤتمرات صحافية لمهندسي يوميات الناس، وأطفال تصرخ من الجوع أو الألم، وأمهات وآباء أفواههم مفتوحة احتجاجا، وأفواه منظري المنابر أمام المايكروفونات.

وفي نهاية المطاف يضع حسن شريف لوحة مفردة داخل غرفة مستطيلة، في محاولة تقريب الصورة وبروزتها، لوحة لبقرة مطعمة برسومات لثمرة البندورة!

انه الاحتجاج الذي يريد حسن شريف الصراخ به في وجه كل تلك المؤتمرات التي لا تخلف إلا الألم والشقاء، ذلك البؤس الذي يجلبه أصحاب «البدل» السوداء، وتلك المايكروفونات التي لا تجلب إلا العويل والدمار.. كومة أخرى أيضاً بجانب لوحة البقرة، رابية صحف وجرائد مطوية، قديمة قدم تلك المآسي التي يشير إليها معرض «مؤتمر صحافي».

يعود حسن شريف مواكبا للأحداث اليومية، منتميا إلى طائفة المحتجين على الظلم وضد من يتسببون في إيذاء الإنسانية.

يقدم حسن في معرضه الفردي لوحات وتجارب تركيبية وشبه نظامية وتنويعات في موضوع التجريب، مركزا على مفهوم التجريب الزمني في إطار فلسفي فكري، بحيث يبدو لكل رسمة نظامها البصري الخاص.

في زاوية أخرى من المعرض وبمواد مختلفة، يصنع شريف شجرة أو إنساناً واقفاً، مكسياً من ملاعق الطعام على بعضها بأعداد هائلة، والتي تلتف على عمودها الفقري من الأسلاك النحاسية.

يشد هذا العمل الزائر ويقدح شرر الدلالات والقراءات المتعددة، فالشجرة حياة، والملاعق أيضاً من أدوات الحياة، لكنها قد تذهب بالفكر إلى مدلولات التخمة والترف، أو إلى ذاك الإنسان فاقد العقل من كثرة ما مرت على فمه تلك الملاعق. في طرف آخر يعرض حسن شريف سفينة مبحرة من مادة الصفيح والأسلاك والتي تطرح سؤالاً جريئا.

عبر انجذابها إلى قاع البحر بذاكرتها الخفية، أو ماضيها الثقيل، فهذه السفينة لا يمكنها السير بالسرعة المطلوبة طالما أنها مشدودة بالعوالق.

وجوه محلية

عمل حسن شريف ولسنوات طويلة كمدرس فنون تشكيلية ومحاضر في ورشة المرسم الحر التابع لهيئة الشباب والرياضة في دبي، وكان لهذا المحترف الفني أثر كبير في رفد الساحة التشكيلية المحلية بالعديد من الوجوه الجديدة، ومنها نطلق إلى معارض فردية وجماعية وانضم إلى قافلة التشكيليين الإماراتيين البارزين.

مرعي الحليان