قصة: لنا عبد الرحمن - رسائل إلى يان أندريا ـ بيروت ـ تموز ـ 2006

يان..قطرات الماء على كتفي العاري منثورة كنمش خفيف على وجه أبيض.أتركها لتجف وحدها.أنت تحب هذه القطرات. في أيام البرد تلسعني ملامسة الهواء لها، لكن الحر خانق الآن، والعثور على ماء للاستحمام في وقت الحرب أمر يرتبط بالقدر الذي قد يرمي بك للتواجد في خيام النازخين، أو أن تكون في قلب بيت.ونحن الآن في بيت مغلق، لا يأتي إليه أصحابه إلا أياما قليلة في صيف كل عام.الكلمات التي أكتبها لك في العتمة، هذه السطور التي سأكرر كتابتها غدا على جهاز الكمبيوتر لأرسلها إليك، تمدني بالقدرة على المقاومة، وعلى البقاء وسط هذا العبث.ربما وجدت مارغريت دوراس مكانها في الكتابة. ربما يكون هذا صحيحا. لذا أكتب إليك لأكتشف ماهية علاقتي بها، وبك.إذ طالما فكرت... لماذا أحبتك مارغريت دوراس وعاشت معك حتى لحظاتها الأخيرة؟ ظللت قربها، تساعدها على الرحيل بهدوء، وظلت تحبك.

الانتقال إلى مكان أكثر أمانا لم يفرحها، على الرغم من وجود ماء، وكهرباء، وهاتف، وتلفزيون يتابعون عبره الأخبار. عندما غادرت البيت لم تأخذ معها سوى بعض ملابسها، و جهاز الكمبيوتر، وروايات مارغريت دوراس، وكتاب يان أندريا عنها.

لكن حين وصلوا إلى منطقة «الصنايع» نظرت الأم باستخفاف إلى أغراض ابنتها، وإلى انشغالها في وضع الكمبيوتر في مكان مناسب، ولم تعرف زينب هذه المرة إذا كانت تلك النظرة بسبب الليلة الطويلة التي أمضوها تحت أصوات الصواريخ،أم أنها النظرة المستخفة شبه الدائمة نحوها. الأم تكاد تفقد عقلها بسبب الحرب.

وتفكر في الرحيل إلى الجبل حيث كانت أختها تمضي أيام الصيف. لكنها لم تجد دعوة صريحة من الأخت، واعتزازها بنفسها لا يسمح لها بأن تفرض حضورها هي وأولادها بحجة الحرب المباغتة.

رغبة الأم في البحث عن مكان أكثر أمانا من شقة خالها الخالية طوال العام في منطقة «الصنايع» يشعرها بالخزي، يظهر هذا على ملامح وجهها كلما تحدثت الأم عن ضرورة مغادرة بيروت كلها. تنظر زينب من النافذة إلى جموع النازحين الذين ينصبون خيامهم في حديقة «الصنايع»، كيف يتعايشون مع الحرب، ومع نقص الماء والطعام، السجائر وحليب الأطفال.

ينامون في الخيام، وعلى الأرض، أطفالهم يستحمون في العراء، أما النساء والرجال فيلجأون لتدابير مختلفة،كأن يقوموا بالاغتسال في طرف الخيمة مدارة لأجسادهم العارية.تتلفت الأم في أرجاء المنزل، تتحسر بنقمة على الحياة المرفهة التي ضاعت منها، لأن زواجها نقلها _ من وجهة نظرها _ إلى طبقة اجتماعية أقل، وجعلها تظل طوال عمرها من سكان «بير العبد» في «الضاحية الجنوبية «، بدلا من أن تسكن في قلب بيروت، حيث تربت وكبرت.

التواجد مع الأم بالنسبة لزينب ولساعات طويلة، ولأيام متواصلة أمر مزعج جدا، خاصة أنها تبيت معها في الغرفة ذاتها.

تسبب لها أمها احساسا بالتوتر، تحديداً حين تضطر زينب لتبديل ثيابها في وجودها وهذا ما تتجنبه دوماً، لأن الأم لا تفوت فرصة لانتقاد جسد ابنتها غير المتناسق، والشعر الكثيف الذي يغطي ساقيها وأعلى فخذيها، وفي بعض الأحيان لا تتأخر في تذكيرها أنها لم ترث جمالها الأرستقراطي، وأن بشرتها سمراء، وفيها بثور لأنها أخذت ملامح عائلة أبيها القروية.

كلما نظرت زينب إلى أمها أحست باستفزاز، كان شعر الأم بنيا فاتحا مصبوغا باتقان، شفتاها مطليتان غالبا بلون خمري غامق، عيناها يتطابق لونهما مع لون شعرها، أنفها رفيع وصغير كما لو أنه يحتقر العالم.

بالإضافة إلى أنها تصر على ارتداء ثياب أنيقة داخل المنزل حتى في زمن الحرب، هناك أيضاً تبرمها الدائم، نظرتها الساخرة، تحسرها على ترملها المبكر، وعلى عمرها الذي ضاع هباء في تربية أولادها.

تتحول الأم إلى كائن ضعيف ومستسلم أمام ابنها الأكبر وسام. حين يأتي ليطلب منها المال، فتمنحه اياه وهي تشعر بالسعادة لأنها تحس بحاجته المستمرة إليها، تتظاهر بالاعتراض في بداية الأمر، لكنها تقوم بالتصرف ذاته في كل مرة: الإعتراض ثم المنح. وهو سيظل محتاجا لها طالما أنها تملك المال، وسيمنحها بعض الاهتمام والعطف لقاء ما يأخذه، يأتي وسام ليأخذ المال كي يختفي لأيام عدة، ثم يعود للإقامة في البيت وهكذا.

أما الآن في أيام الحرب، فهو مضطر للاستقرار مع العائلة في البيت المستعار، يتنقل بين الصالون، وغرفة النوم مبديا انزعاجه، ثم يعود إلى غرفته التي استقل بها، ومنع أخيه الأصغر عامر من المبيت معه، لأنه يجب أن يحظى بغرفة مستقلة، بما أنه الأخ الأكبر. غرفة مستقلة، ليخفي علب البيرة، وزجاجات الويسكي تحت السرير.

لكن أكثر ما هو مزعج بالنسبة لها أن تمسك علبة الثقاب، لتجد أنها تحتوي على سيجارة مسحوقة وعود ثقاب تم استخدامه من قبل، أو حين تأخذ أمها آخر سيجارة من علبة سجائرها، وتتجاهل تماما حاجتها للسجائر، تعرف الأم أن زينب لن تقدر على مواجهتها بهذا أبدا.

كانت الأم تدخن في الليل سرا، وتضع السيجارة ورمادها وعود الثقاب في علبة الكبريت الفارغة، لكنها تنسى أن تلقي بها بعيدا،أو تتكاسل وتؤجل الأمر حتى الصباح، لا تشعل سيجارتها أمام أولادها ،لأنها تريد أن تكون أماً مثالية دوما، في بيتها كانت تدخن في غرفتها الخاصة، لذا لا يمكن ملاحظة هذه التفاصيل الصغيرة. وبما أن علبة الثقاب الفارغة موجودة في الغرفة المشتركة، فليس هناك مجالا للشك في أحد آخر.

يان..

إنه تشابه مضن يرهقني، أبحث عنها، وعنك. أنت تعرف ما لا أعرفه، لكنك لا تعرف شيئا عني. سأثق بك كي تضع حداً للشبه الذي يرهقني، للشبه الذي ربما يكون وهماً، أو هروبا من الحقيقة.

في صباحي الباكر هذا، أنظر إلى سقف الغرفة التي أنام فيها. تتمدد في زاويته رقعة مجعدة، تنز بقايا الدهان الأبيض على سريري. أسمع صوت أمي في الصالون، تثرثر على التلفون عن الحرب، مع خالي المقيم في الخليج، الذي استعرنا بيته لنسكن فيه خلال الحرب.

أصوات الاطفال النازحين في حديقة»الصنايع» ترتفع وهم يصدحون بأغنية للمقاومة، ويرسمون على الحيطان بنادق وإشارات النصر. ومن النافذة أشاهد مذيعة من إحدى الفضائيات أتت لتسأل الأطفال وأهاليهم عن الحرب.

هكذا يصير التهجير مادة إعلامية ينبغي أن يعرفها العالم عن كثب ليساعد في إنهائها. البارحة كان هناك مذيعة أخرى من فضائية مختلفة، شاهدناها أنا وساندرا حين كنا في الحديقة نسأل الأمهات عما يمكننا فعله لمساعدتهن. إحداهن طلبت منا وهي خجلى حبوب منع الحمل، فيما أخرى توسلت إلينا كي نحضر سجائر لزوجها، امرأة ثالثة طلبت أوعية لطهي الطعام، وإبريقاً لتسخين الماء وغلي الحليب.

تفاصيل صغيرة لم أكن لأنتبه لها لولا الحرب.

لماذا أستمر في الكتابة اليك في حين لم يعد يتذكرك أحد ؟ أفتش بين أوراقك، أعبث بذاكرتك، وأسألك عنها، مضت على رحيلها أعوام كثيرة. كان عالمنا يتسع أكثر وأنت تحكي عن شغفك بها، تلك العجوزالساحرة بأي أكسير تمكنت من أسر قلبك حتى الان.

سأستمر في الكتابة، لك، عنك، عنها، وعني، لأصل إلى يقيني الخاص الذي يمنحني الخلاص.

في البيت، داخل غرفتها في الطابق العلوي تكون وحدها. في البيت فقط تكون وحدها وتحس بالضياع المخيف الذي تكتب عنه، في الحديقة هناك كائنات تشاطرها الوحدة، عصافير، حشرات، قطط، فأر صغير يعبر سريعاً في لحظة خاطفة، لكن هنا في هذه الحجرة_ التي تحتوي على طاولة، سرير، وخزانة زرقاء ـ حين تكون ستارة نافذتها منفرجة قليلاً ليبرز منها شق من الضوء، خيط طولي رفيع لا يكفي ليهدد الوحدة والعتمة، تدرك أنها مكثت هنا عشر سنوات وحيدة تؤلف رواياتها، وتصوغ حكايات جارحة عن ألم عتيق، كان من المفترض أن يُنسى منذ زمن طويل.

البارحة تشاجرت معه، صدت الباب في وجهه، طلبت منه الرحيل، ظل هو جالساً عند حافة البوابة ينتظر عبور نوبة اغترابها ووحدتها. كانت ثملة وهي تطلب منه الذهاب بعيداً، وكانت تفكر بما يريده منها هذا الشاب. قلب باريس كرنفال من المسرات، يتركه هذا الأحمق ليطرق باب امرأة عجوز، هي نفسها لا تظن أن كونها كاتبة يعطي مبرراً لهذا الشاب بكسر عزلتها والبقاء إلى جوارها.

نظرت من شق النافذة نحو الحديقة، العصفور يقف على غصن الشجرة الصغيرة، سيطير سريعا لو أحس بحركتها عبر مسافة بعيدة، تكره أن تكون سبباً لفرار العصفور، إذ رغم طول زمن بقائها في هذا البيت، وفي تلك الحديقة، لايزال العصفور الصغير يسارع بالطيران حين يحس باقترابها. مررت يديها على شعرها وهي تفكر بالنزول إلى الدور السفلي لإعداد قهوتها.

في هذا الركن الصغير كتبت «انخطاف لول ف. شتاين»، هنا انخطفت لول إلى مكان مجهول ولم ترجع أبدا، لم ترجع سوى للتحاور معها. منذ «انخطاف لول ف. شتاين» ادركت أنها وحيدة تماما مع كتابتها، مع صور أبطالها الهاربين والضائعين.

كانت وحيدة دوماً، لكن وحدتها مع كتبها الأولى تختلف عنها الآن، لكنها الوحدة ذاتها في الأماكن كلها، هنا ظهرت لها «لول فاليري»، وفي هذا الوقت أيضا لمع اسم يان أندريا في حياتها. لماذا انخطفت »لول« وبقي »يان« هنا.

والآن لماذا يأتي يان أندريا ليفرض حضوره على هذه العزلة؟

اعتادت منذ وقت طويل أن لا تحسب الزمن. الزمن مثل رذاذ المطر نظنه كثيرا لكنه لن يلبث أن يتوقف.تدرك مارغريت بعمق أن محنتها الكبرى مع الزمن السائر. لذا لم تعد تقربه، تجاهلته تماما.

وقررت الحياة من دون ساعات وأيام، رفضت هذا التقسيم الأبله للأيام والأعوام، وفي دورة هذا التجاهل ضاع من ذاكرتها اليوم الواقعي، كانت تقول« لماذا لا يكون اليوم هو الثلاثاء بدلاً من السبت، لماذا لا يكون هذا العام هو العام السابق أو التالي، لماذا عليَّ الرضوخ لتقسيمات ابتدعها الآخرون وجعلوا منها قانوناً يسري على العالم كله. هي لن ترضخ لهذا القانون وستعيش زمنها الخاص.

في عزلتها تعرف الصمت، تقترب من السكون، ترى وجه الإله شفافا مثل غلالة غيم، نقياً، وبريئا، فرحاً كما لم يكن الفرح.

لذا كانت تخشى الاقتراب أكثر، تشيح ببصرها بعيدا متواطئة مع صمتها الكثيف. تعرف هي أن هذه العزلة تمنحها غبطة قدوم أبطالها الهاربين، عليها أن تصمت طويلا كي تتيح لهم مجالاً للوصول، للكلام، للبوح بحكاياهم، لتكتب.

في تلك العزلة، ماذا كان عليها فعله سوى أن تكتب. أن تقلب أقلام الحبر الكثيرة السوداء الموجودة على طاولتها وتختار أي قلم ستكتب به هذا اليوم. أوراق الكتابة بيضاء تماماً، خالية من السطور، هناك أقلام حمراء وخضراء، لتضع خطوطاً بجانب الكلمات التي ينبغي عليها العودة لها.

يان أندريا: هو الحبيب الأخير للكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس،عاش معها 15 عاما، كان كاتبا شابا في ال25 من عمره وكانت في الـ 65 حين بدأت قصة حبهما.كان معجبا بنصوصها في بداية العلاقة ثم وقع في غرام الكاتبة، وبعد موتها كتب عن علاقته بها كتاباً بعنوان (هذا هو الح).

المؤلفة في سطور

كاتبة من لبنان، تقيم حالياً في مصر صدر لها المجموعتان القصصيتان:

«أوهام شرقية» و «الموتى لا يكذبون» كما صدر لها روايتان هما: «حدائق السراب» و«تلامس»

تعد حالياً أطروحة الدكتوراه حول «السيرة الذاتية في الأدب النسوي اللبناني».