الخطوات الشعرية التي اتخذتها الشاعرة سعدية مفرح على مدى ستة دواوين شعرية، تؤكد أن ثمة ميلاد جديد يتكرر في كل مرة تكتب فيها القصيدة.

وأن المضمون الشعري لديها يواكب المرحلة الزمنية لوعيها الذي تكتب فيه أشعارها عن حزن البلاد ونوافذ للقبور، ثم نلمحها تلون الأزقة بفأل طفولي يوحي بأن شمسا ما سوف تطل عبر ظلمة الأيامفي هذا الحوار نستنطق حلم الشاعرة سعدية مفرح، ونعود معها تارة إلى مكامن الشعر وأخرى إلى النقد. طفولتنا تترك ملامحها فينا عندما نكتب إبداعاً، هل حصل ذلك معك؟لا ادري... لا أتذكر من طفولتي الكثير ولا استرجعها إلا لماما، لا املك ذكريات كثيرة من مرحلة الطفولة، طفولتي كانت ضيقة جدا ومحددة بمساحة جغرافية وإنسانية صغيرة.. لا أتذكر من طفولتي سوى بيت صغير ونافذة واحدة وطريق ترابية تؤدي إلى المدرسة ودموع كثيرة وضحكات قليلة وانتصارات مدرسية بائسة وصداقات مبتورة بالضرورة وعلاقات إنسانية غريبة ولون رمادي يكاد يغلف الأيام كلها.

ولا أتذكر بشكل مباشر أنني كتبت عن طفولتي أو بوحي منها، ولكنني ربما فعلت من دون أن أدري مثلا.. وربما هي كل مادتي الشعرية، وربما سأكتب لاحقا.. من يدري؟

القول الحقيقي

لك ستة دواوين من الشعر ومؤلفات أخرى قلت فيها أشياء كثيرة.. ما الذي لم تقله الشاعرة سعدية مفرح حتى الآن؟

لعلي لم اقل شيئا ذا أهمية مما أود قوله بالفعل.. محاولاتي مستمرة للقول واعتبر كل ما قلته مجرد تدريب جاد على القول الحقيقي. لا ادعي أنني شجاعة بما فيه الكفاية القول، ولا أدعي أنني موهوبة بما فيه نهاية القول لكنني ادعي أنني أملك من الإصرار ما يجعلني مستمرة في محاولاتي الدؤوبة تلك. فلا نهاية للقول الشعري كما تعرف، ولا بداية أيضا.

لكنني بشكل خاص أتمنى لو أنني استطعت قراءة التراث الشعري العربي كله من خلال رؤية شعرية جديدة أتكئ فيها على تقنيات فنية مبتكرة.. ولعلي فعلت ذلك عبر تجارب فردية وخاصة جدا بقيت حتى الآن مجرد تجارب مبتسرة.

المدن والشوارع والبيوت لها حضور كبير في قصائدك ما سبب ذلك؟

ربما لأنني في توق دائم وحقيقي للمدن والبيوت والشوارع وكل الأمكنة فدائما أتحرك في مساحة جغرافية محدودة ومحددة مسبقا، وغالبا ما أتوق لاختراق تلك الحدود.

وربما لهذا أحاول أن افتح نصي على كل الأمكنة الممكنة وان كانت أمكنة افتراضية.. وكثيرا ما تختلط علي الأمور فلا أعود افرق بين ما هو افتراضي وما هو حقيقي.. وهذا لا يزعجني، بل لعله يسعدني كثيرا ليس على مستوى ما اكتب وحسب بل أيضا على مستوى ما أعيش أيضا.

نظرات مريبة

العلاقة بين الثقافي والسياسي كيف تنظرين إليها في واقعنا العربي؟

علاقة ملتبسة ومحفوفة بالشكوك والظنون الآثمة غالبا. وفي كثير من الحالات تبدو علاقة مرضية بين الطرفين.. السياسيون العرب في مجملهم مصابون بعدد لا يحصى من عقد النقص وخصوصا على صعيد الثقافة وهذا ما يجعلهم ينظرون تلك النظرات المريبة للمثقفين بشكل عام، ولعل المثقفين يرضون بتلك النظرات لو أنها بقيت مجرد نظرات ولم تتحول إلى عقوبات تتخذ أشكالا مختلفة..

وهذا بدوره أصاب الكثير من المثقفين العرب بعقد نقص أخرى وخصوصا على صعيد السلطة وممارساتها نتيجة للخوف الدائم منها.. وانظر بعد ذلك لتلك العلاقة بين الاثنين ما داموا مزدحمين بكل هذه العقد!

لدينا الكثير من الأكاديميين يتخرجون من أقسام النقد ولكننا لا نرى لهم نتاجا ملحوظا في هذا المجال.. لماذا باعتقادك؟

والكثيرون يتخرجون من أكاديميات الفنون من دون أن يكونوا فنانين بالضرورة مثلا.

أريد أن أقول إن الأكاديميات تصقل المواهب ولكنها لا تخلقها من العدم والنقد احد أجمل المواهب الإبداعية وبالتالي لا يمكن لأي أكاديمية آن تخلقه لدى احد من المنتسبين إليها حتى لو تخرج منها بدرجات الامتياز كلها.. أقول ذلك على الرغم من إنني اعرف الكثيرين من هؤلاء الأكاديميين الذين يشير إليهم السؤال، وارى أنهم قادرون فعلا على الممارسة النقدية على الصعيد العلمي ولكن تلك الممارسة تحتاج إلى الكثير من الجلد مما لا يقوى عليه هؤلاء.

عدم الانحياز

كادت الرواية أن تسحب البساط من تحت الشعر وهو «ديوان العرب» هل تؤيدين ذلك؟

لا.. لا أؤيد ذلك.. ربما يصدق هذا القول على صعيد التوزيع الذي يفهم به الناشرون جيدا، أما بالنسبة للمتلقي الحقيقي للإبداع فأعتقد أنه يرصد في السنوات الأخيرة رؤية شعرية تتجدد في القصيدة العربية بعيدا عن اشتراطات التوزيع وهوس القراء مثلا.

هل تأثر الشعر العربي بغياب محمود درويش.. وإن كان هناك فراغاً فمن الذي يسده؟

لم أكن انظر لمحمود درويش باعتباره رمزا شعريا أبدا، كان بالنسبة لي شاعر عظيم وحسب، خاصة وانه لم يركن للحالة الرمز على صعيد إنتاجه الشعري والذي صار غزيرا ومتدفقا ومفتوحا على أفاق شبه مجهولة في السنوات الأخيرة تحديدا. ففي تلك التجارب الشعرية التي أنتجها بعد كل تجربة مرضية كان درويش منغمسا في حالة الاكتشاف والتجريب بشكل غير مسبوق بالنسبة له على الأقل.

ولعل في (جداريته) الشعرية الكبيرة خير مثال على ما أقول تحديدا. وأنا مؤمنة بأن الشعر ضد الحالة الرمز على الرغم من إنتاج ثقافتنا العربية لعدد من الرموز الكبيرة على مدى تاريخها الطويل لكنها ظلت رموزا ثقافية أكثر من كونها رموزا شعرية، فالحالة الرمزية في احد جوانبها تحتاج إلى نوع من الثبات أو الرسو على شاطئ التنظير بما يساهم في ترسيخها ويراكم تجربتها لكن الشعر العظيم في حركة مستمرة وفي تجريب مفتوح على كل الأفاق.. وهذا ما كانت عليه شعرية محمود درويش..

ومحمود درويش الذي قدم الكثير للقصيدة العربية طوال حياته الشعرية قدم الكثير لها أيضا في رحيله المدوي، خاصة وان رحيله مثل حالة ثقافية وإعلامية فريدة من نوعها في الوطن العربي الذي لم يعتد على الاحتفاء بالشعراء رسميا للحد المغري للإعلام كما حدث قبل عام عندما رحل درويش فانشغلت به البلاد العربية بشكل غير مسبوق.. وهذه قيمة إضافية يضيفها درويش وهو راحل للثقافة العربية بشكل عام ولثقافة الشعر وقيمة الشاعر في بلادنا تحديدا.

عدم الانحياز

برامج تلفزيونية تتيح لنفسها أن تنصّب شاعراً ما أميراً للشعراء هل يحق لها ذلك؟

لست من أنصار أن يكون للشعراء إمارة.. وأميرا، الشعراء فارون من كل قيد بشكل عام، ومع هذا لا بأس، كما أرى، من تخصيص بعض الأوقات التلفزيونية من أجل إلقاء المزيد من الأضواء على التجارب الشعرية بغض النظر عن المسميات والعناوين.

. المهم أن تحافظ هذه البرامج على المصداقية والموضوعية والشمولية بحيث تحاول عدم الانحياز لتيار شعري دون أخر مثلا بل تنفتح على كل التجارب الموجودة وتشجع الجديد منها.

الشاعرة في سطور

سعدية مفرح شاعرة وناقدة وصحفية تعمل رئيسة القسم الثقافي في جريدة «القبس» الكويتية وكاتبة في مجلة العربي الكويتية وجريدة الرياض السعودية كما تشارك في كتابة مقالات نقدية ومراجعات صحفية أسبوعية وشهرية دورية في بعض الصحف والمجلات العربية.

نشرت قصائدها في كثير من الصحف والمجلات العربية. ترجم الكثير من قصائدها إلى عدد من اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والأسبانية والسويدية والطاجيكية.

حوار ـ عدنان فرزات