تتنوع العوالم في النسيج بقدر ما تتفاوت العناصر في تكوين اسمه، وبقائه مفتوحاً وأهلاً للمختلَف عليه بجدارة، فلا حسي إلا ويسمّي جانباً فيه، لا مجرد إلا وينعطف عليه بمعنى ما.

ما هو النسيج؟ سؤال يستهلك أي جواب مقدَّم، لأن الذي يعنيه في الاسم يتجاوز ما هو معرَّف به.

نثبت هنا: ما أكثر حضور هذا النسيج فيما نتفوه به، وفيما نعتمده كتابةً، ونتمثله قيمياً في علاقاتنا الاجتماعية!

النسيج هو ما يقبل النسج! ما هذا القابل للنسج؟ يكون المزروع في الأصل: قطناً، حريراً طبيعياً، ما يُستخلَص من أشجار أو نباتات أخرى بقصد النسج. يكون المحمول عبر كائن حي: ما هو صوف أو شعر، يكون الجاري صنعه بمفرده أو عبر مزيج مما هو حيواني ونباتي وصناعي، فيضيع الأصل الواحد كرمى الحامل المشترك..

أكثر من ذلك، أيكون الكلام الذي يتنوع في أنسابه جنساً ونوعاً، مقاماً وتصريفاً وإعراباً وتبعاً لمادته أيضاً؟

أيكون العصيَّ على التحديد في الزمان والمكان في الاعتبار الإنسي، لأن ثمة ما يخفى عنه، فيكون الأخير داخلاً في سباق النسيج الذي تتنوع أسماؤه وألقابه، مثلما يكون الإغراء بتقصي حقيقته كبيراً ولا متناهياً؟

ربما، أو لعله كلُّ هذا الذي أشير إليه دون تعريف ناجز يقدّمه لطالبي المعرفة والشغوفين بالتصنيف.

ليس من فاعل فينا، أو ما يشكّل لحمتنا الحية، أو يجلو فينا ما هو أخلاقي أو جمالي أو إبداعي، إلا وكان للنسيج الحقيقي والمجازي سهم اعتباري فيه، حقاً كأن النسيج بوابة كبرى لعالمنا المنسوج بصيغ شتى.

لنضف، أو يمكننا أن نضيف إلى هذا الجامع المانع ما يصعب النظر في أمره، وهو أن كل ما أمكن قوله أو تدوينه، أو السعي إليه، يمثّل فعلاً نسيجياً، وأن ليس من كائن إلا ويكون له نسيجه الخاص، والأكثر من ذلك، ما هو جائزٌ البحث فيه وهو أن المبدع يكون الأقدر على مكاشفة النسيج وفنونه، كما تقول لنا مادته المبتكرة.

أن يكون المرء نساجاً، فهذا سهل الوصول إليه، أن يجري التفريق بين نسيج وآخر، وخصوصاً راهناً، وكيف هو تاريخ النسيج في طريقة ظهوره وتحولاته، والفصل في ذلك، فهذا هو الوجه الصعب في معرفة النسيج.

من النسيج الجسمي فالجسدي فينا إلى النباتي فالطبيعي في عمومه، إلى الجاري تركيبه، تكون مسيرته مثلما تتفاوت القيم التي يعزّزها حضور النسيج في حياتنا اليومية وفي الثقافة التي تميّزنا وتمنحنا مراتب اعتبارية.

المبدعون، وفي قائمة طرائفهم المتداولة والمسماة تالياً، يتراءى النسيج الأكثر إيغالاً في الشفافية والصفاء، إنه النسيج الذي يُكسِب النظر متعة روحية، بما أن الناسج في الأصل وثيق الصلة بقوى الروح الخلاقة، أن الخيال الحي يكون نسجاً استلهامياً روحياً عميقاً بدوره، أن المادة الجيدة الصنع تكون نسجاً لعناصر جسمية وجسدية مختلفة، أن المختلف إبداعاً يكون نسج الريادة القصوى في نطاق اللغة تعميق معان ودلالات، أن هناك ما يُعجز عن مضاهاته، أو منافسته، وتأمل حقيقته، لحظة التذكير بالمتعالي: النسيج الإلهي بامتياز!

ولأن النسيج له كل هذه التفرعات والتجليات، كان له هذا الثراء في الاسم واستحالة الإحاطة بمقومات نشأته.

نعم، النسيج، كشكول المفارقات الكبرى، حيث تتنوع العوالم، بقدر ما تتفاوت العناصر في تكوين اسمه، وبقائه مفتوحاً وأهلاً للمختلَف عليه بجدارة، فلا حسي إلا ويسمّي جانباً فيه، لا مجرد إلا وينعطف عليه بمعنى ما.

هذا يتوقف على ميزة النعومة وقابلية استيعاب المختلف، ليكون فرداً في عائلته الكونية، وكأن النسيج ليس أكثر من اسم لما لا يوجد أصلاً، بسبب التفاوت الكبير أو الهائل بين الأسمى والأروع مقاماً في خانته، والأحطّ منزلة في سلّمه الذي يصل الأرض بالسماء.

ويتحرك في كل الاتجاهات، ولهذا يتسابق الجميع لتأكيد انتمائهم النسيجي، حيث التباهي به، يعود اشتقاقاً إلى جانب الطواعية، إنما ليس إلى درجة حيازة المشتهى فيه، على أنه حقيقته في القول والفعل، بما أن هذا الذي يتجاوب بسهولة لافتة لأي كان، وثم يفتنه تجاوبه، سرعان ما يضفي على حركته ما يذهل المندفع إليه، ليجلو نسيجه الخاص به، عبر الاستعانة بالزمن وصروفه فيه.

هنا لا يعود لفعل الادّعاء من قيمة تُذكَر، كما هو الشكل وبريقه، كما هو الصوت المدوّي في الفراغ، فلا يعود النسيج مقرَّراً بالمطلق هذه المرة، لا يعود غفلاً من الاسم كما يشتهي المأخوذون باسمه، إنما ينكشف نسيج أيٌّ كان تبعاً لما صنعت له يداه، ولو بعد حين، ولهذا يكون للحرير الطبيعي، وهو في شفافيته المماثلة لما هو كريستالي في الطبيعة بالمقابل، الجمالُ الذي ينطق بأصله العريق ونجاعة الفعل، لهذا كان الحديث عن كل ما يثيرنا باعتباره إبداعاً بوصفه نسيج وحده، أي لا يتكرر ولا يُستنسخ، حيث كلمة سر إبداعه تبقى طيه حصراً.

إبراهيم محمود