«قُبلتْ الرواية، غراهام غرين مسؤول»، هو نص البرقية التي استلمها الكاتب الهندي آر. كيه. نارايان عام 1935 من صديقه، ومعها انتقل من كاتب مغمور في الهند إلى كاتب له مكانته في عالم الأدب سواء في بلده أو في الغرب.

كانت البداية قبل خمسة أعوام من تسلّمه لتلك البرقية، في المرحلة التي كان يعمل خلالها نارايان مراسلا صحفيا حرا ويتنقل بين أعمال متفرقة، حينما جاءه الإلهام في يوم خريفي ورأى في ذهنه ما يشبه النافذة التي أطل من خلالها على مدينة متكاملة بسكة قطارها، ومدرستها، وأسواقها، ونهرها وغاباتها. مع رؤيته تلك ولدت أول رواية له «سوامي والأصدقاء» في مدينته المتخيلة «مالغودي» التي دارت فيها أحداث جميع رواياته اللاحقة.ولد نارايان واسمه الكامل راسيبورام كريشناسوامي آيار ناراياناسوامي في 10 أكتوبر عام 1906 في مدراس، وعاش معظم طفولته في كنف جدته التي كان لها تأثير كبير على ثقافته، إذ علمته الأساطير والموسيقى الهندية الكلاسيكية والحساب والسنسكريتية، والمحادثة باللغة الانجليزية، أما أصدقاؤه في تلك الفترة فكانوا الطاووس والقرد والطبيعة.

استمرت رحلته مع الكتابة ما يزيد عن 50 عاما ولم يتوقف حتى ناهز عمره السابعة والثمانين، أصدر خلالها خمس عشرة رواية وخمسة مجلدات قصص قصيرة ومجموعة من أدب الرحلات والمقالات مع ترجمته لبعض الملاحم الهندية إلى الانجليزية.

أتبع روايته الأولى التي تحدث فيها عن جزء من طفولته وإيقاع الحياة آنذاك، برواية «بكالوريوس في الفنون» التي نشرها عام 1937 ويحكي فيها عن مرحلة دراسته الجامعية، وبعدها بعام «الغرفة المظلمة» التي حققت شعبية واسعة وتناول فيها واقع الحياة العائلية بين زوج متسلط وزوجة مظلومة.

يسلط الضوء في رواياته الثلاث على المشاكل التي يواجهها مجتمعه ابتداء من مراحل الدراسة الأولى وأساليب العقاب، والمعتقدات السائدة بشأن الزواج وارتباطه بالأبراج الفلكية وبعدها العلاقة الإنسانية بين الزوج والزوجة.

عندما توفيت زوجته راجام بالتيفوئيد عام 1939، أصيب باكتئاب شديد وعاش في عزلة لزمن طويل، ليكتب بعدها روايته «مدرس الانجليزية» عام 1945 ويتناول فيها تجربته الأخيرة. انتقل بعد ذلك إلى مرحلة جديدة في الكتابة، وأصدر روايته «السيد سامباث» التي شكلت منعطفا في أسلوب جمعة بين السيرة الذاتية والمخيلة، وأتبعها بروايته «الخبير المالي» التي نشرت عام 1951، واعتبرت من أهم أعماله، بالإضافة إلى «في انتظار المهاتما» علم 1955، و«رجل مالغودي المدمر»1961.

يعتبر نارايان من رواد الأديب الحديث في الهند إلى جانب مُلك راج أناند وراجا راوو، وهو أول من نقل الأدب الهندي الحديث إلى الثقافات الأخرى من خلال كتابته باللغة الانجليزية وبراعته فيها وتمكنه من لغة شكسبير والدستور الأميركي.

كما حاز على العديد من الجوائز الأدبية في وطنه ومن بريطانيا، مع ترشيحه لجائزة نوبل للآداب عدة مرات. وقد توفي في شيناي في 13 مايو عام 2001 عن عمر يناهز الرابعة والتسعين.

يركز نارايان في روايته «رجل مالغودي المدمر» على التركيبة المعقدة للعلاقة بين بطل الرواية الإنسان المسالم القنوع ناتاراج وفاسو الشخصية المتنمرة الهوائية، إلى جانب شخصيات تبقى في الذاكرة على الرغم من كونها ثانوية، إذ تعكس نموذجا حقيقيا من واقع الحياة في جنوب الهند. كما يحمل العمل عدة أبعاد، من الصراع الملحمي بين الخير والشر إلى بعد تبلور هوية ناتاراج، الراوي البطل من خلال الأحداث التي يمر بها.

تتمحور الرواية حول ناتاراج الذي يملك مطبعة في بيته الكبير الذي ورثه عن أجداده، والذي يعيش فيه حياة هانئة مستقرة على صعيد أسرته من جهة، وأصدقائه من جهة أخرى وعلى رأسهم مساعده المتقدم في السن ساستري الذي يكن له احتراما كبيرا، والصحفي المثقف سين.

يدخل عليه في أحد الأيام رجل ضخم يطلب منه طباعة 100 كرت عمل باسمه. ومن خلال حوار استفزازي يتعرف ناتاراج على فاسو محنط الحيوانات الذي يتباهى بوطنيته ومحاربته للإنجليز. ودون استئذان يقتحم فاسو حياته ويزعزع بشخصيته الفريدة وأطواره الغريبة سكينته واستقرار جميع سكان قرية مالغودي.

وما هي إلا فترة قصيرة حتى يستأجر فاسو العلية في بيت ناتاراج كغرفة سكن له. وبالطبع لا يدفع ثمن البطاقات أو أجرة السكن ويتدخل في حياة جميع من حوله ويتفاخر بتجاوزه للقيم ومعايير الأخلاق والبحث عن متعته الشخصية على حساب الجميع.

تثير شخصية هذا الوافد الذي يتمتع بجرأة كبيرة وحس وطني عال، حيرة ناتاراج ويتأرجح بين الإعجاب به والنفور منه. ويكتشف بعد حين أنه بات منقادا لتلك الشخصية ويتفاعل مع الحياة من خلال آلية تفكيرها التي هيمنت عليه وعلى الجوانب الخيرة في شخصيته، إلى جانب ابتعاد الأصدقاء عنه لوجود فاسو الدائم. وكان مساعده ساستري يرى في فاسو نسخة من الشيطان «راكشاسا» الذي يتحدى الآلهة ويفسد ويدمر كل شيء من حوله ويتحدى السماء.

وتتوالى الأحداث والمفارقات الكوميدية في تراجيديتها، مثل رغبة فاسو في اصطياد فيل وضمه لمجموعته بمناسبة احتفال ناتاراج بنشر ديوان شعر لأحد أصدقائه، حيث يضطر الأخير إلى ابتكار كل الأساليب لرد فاسو عن قراره، ومعها يتوصل إلى قرار نهائي مع نفسه بشأن إخراج هذا الدخيل من حياته.

يصبح ناتاراج أكثر قوة وحزما وجرأة، ولكن قبل طرده من حياته تأتي نهاية فاسو الشبيهة بمصير راكشاسا، حيث يموت خلال نومه بسبب ناموسة. ولكن لا تُعرف الحقيقة إلا بعد مدة من الزمن فعلى الرغم من أن تشريح الجثة لم يثبت أي مبرر لموته قتلا، إلا أن أهل القرية وأصدقاء ناتاراج هجروه اعتقادا بأنه القاتل.

ولم تعد الحياة إلى طبيعتها، إلا عندما كشفت رانجي التي كانت على معرفة بفاسو سبب موته، المتمثل بمحاولة سحقه لناموسة وقفت على جبهته خلال نومه، ونظرا لقوته العضلية وحِدة صفعته فجَر أحد الأعصاب في جبهته وتوفي على الفور.

الكتاب: رجل مالغودي المدمر

تأليف: آر. كيه. نارايان

الناشر: بنغوان كلاسيكس لندن 1993

الصفحات: 176 صفحة

The Man-Eater of Malgudi

R K Narayna

Pen guin Classics - UK 1993

176 P.

رشا المالح

ralmaleh@albayan.ae