عندما ينشغل الإعلام العربي المرئي بقراءة طالع العام الجديد، وتبصير حياة المغنين والممثلين، لم يفكر أحد بطرح السؤال ذاته على المثقف، بوصفه رائياً ومستشرفاً للغد، ويمكنه أن يدلو بدلوه من موقع سعة الاطلاع والمعرفة و اخضاع تحليلاته للمحاكمة والتجريب، شأنه في ذلك شأن العلماء الرياضيين و الفيزيائيين والكيميائيين الذين لا رأي لهم في لعبة الإعلام، فهم ليسوا حكائين و ليسوا فرسان كلام، كما هو الحال مع من يغني ويرقص و يمثل.
عندما تعتمد الأمم على فئة صغيرة من المجتمع لمحاكمة الحياة و استقراء المستقبل، يصبح حالها حال الفرس العرجاء، لا نفع منها في سباق أو سفر، فئة تعيش وهم الأفضلية، كثيرة الظهور قليلة الفائدة، كأنها طحالب تعتاش من جهل الناس بما تحتاجه فعلاً، هؤلاء لهم رأي في المستقبل ولديهم طموحات للعام الجديد وعندهم مشاريع، وآخرون لا يلتفت إليهم الإعلام لا أحد يريد رأيهم أو يعرف ما هي طموحاتهم، كأنهم أناس لا قيمة لهم، ولا وزن.
يستحق البسطاء، العامة، الناس العاديون التفاتة من احد ما في موقع إعلامي، وخاصة عندما تستقرأ الآراء حول عام جديد، الكل لديه طموحات ويرغب في حركة باتجاه ما، حركة نحو الغد، إنهم بسطاء لأن الحياة طحنت وقتهم، تراهم يهرولون للحاق بموعد العمل و يهرولون للعودة إلى أولادهم، يحنون على دفء بيوتهم، شعارهم الدائم (عائلتي أولاً )، ولأنهم خارج لعبة الوقت يصبحون كائنات ربوتية من العمل إلى المنزل، ومنه إلى العمل، وهكذا يتم نسيانهم، بل تراهم يصفقون لمن يغني أو يرقص لأنهم لا يجيدون الغناء و الرقص!.
في طموحات العام الجديد لا يرى احد ما حلم غيره، الكل منشغل بأحلامه الذاتية، وسيبدو طبيعياً أن يلهث المرء خلفه، لكن من غير الطبيعي أن يصادر أحد ما أحلام الناس، ويتم ذلك بكل بساطة، عبر إغراق الناس في دوامة العمل، القهر، المتطلبات الأساسية للحياة، ضعف الأجور، انعدام الأمان، الشعور بالخوف، قلة الحيلة، اليأس.. ألا يكفي كل ذلك لمصادرة الأحلام و موتها. إذا ما جدوى الطموحات طالما هناك من يصادرها، بل هناك من يصفق لمصادري الأحلام و قاتليها.
