يتفق الجميع على أن إحدى الآفات التي يعاني منها العالم وأكبرها وأكثرها خطورة تتمثل في الفقر الذي يعاني منه قسم هام من البشر. وهناك الكثير من الدراسات والندوات والقمم على مستوى أصحاب القرار تبحث كلها في مسألة الفقر وكيفية التصدي لها. بل يتم وضع برامج وأهداف محددة والتزامات بتخفيض نسبة الفقراء.
لكن الظاهرة لا تزال أحد أكبر مصادر التهديد في أفق المستقبل، كما يؤكد الباحثان المختصّان بمسألة الفقر في العالم «ماريا كانسيان وشيلدون دانزيجر» في كتابهما الذي يحمل عنوان «تغيير الفقر وتغيير السياسات». ويساهم في العمل أيضا عدد من الباحثين في إطار برامج لمكافحة الفقر.
إن المساهمين في هذا الكتاب يحاولون الإجابة على سؤال: لماذا فشلت «الحرب ضد الفقر» في العالم؟ وكذلك يقومون بتحليل مختلف الإستراتيجيات التي كان قد جرى تبنّيها على صعيد عالمي أو على مختلف الأصعدة التي كانت قد جعلت من محاربة الفقر هدفها لكن لم يتحقق سوى جزء يسير من الوعود التي كانت قد صاغتها في البداية.
وتتم دراسة ظاهرة الفقر في سياق زمني يبدأ منذ سنوات السبعينات في القرن الماضي، وذلك على ضوء تطور السياسات الاقتصادية والاجتماعية ومختلف المبادرات التي ظلّت عاجزة عن الإجابة على مشكلة الفقر في عمقها.
ويتعرض شيلدون دازنجير وماريا كارسيان في الدراسة الافتتاحية للكتاب إلى مسألة تطور سياسات مكافحة الفقر. ويتم التأكيد على أن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت تقدّما بطيئا في تقليص الفقر في العالم.
هكذا مثلا على رغم الزيادات الكبيرة التي قررتها الحكومة الفدرالية الأميركية في العقد الذي أعقب إعلان لندون جونسون «الحرب على الفقر» عام 1964، في مجال تمويل برامج التربية والتأهيل ومساعدة الضمان الاجتماعي ومختلف برامج دعم زيادة الدخل، وذلك كله في أفق «القضاء على الفقر» على مدى جيل واحد، رغم ذلك كله لم يكن مستوى الفقر قد انخفض في عام 1973 عما كان عليه عند بداية «الحملة»، بل وبقيت نسبة الفقر في الولايات المتحدة أكبر منها مما كان بالمقارنة مع البلدان المتقدمة الأخرى.
ويحاول الباحثان دانييل مايير وجيوفروا والاس، في مساهمة تحمل عنوان «مستويات الفقر وتوجهاته المستقبلية تحديد الأسباب «البنيوية» التي تساهم في زيادة فقر بعض الفئات الاجتماعية في ظل غياب سياسات اقتصادية ذات بعد اجتماعي واضحن بينما تربط الباحثة «روبيكا بلانك» بين «تدنّي» مستوى التأهيل لدى العاملين وبين «ارتفاع» خطر وقوعهم في براثن الفقر.
هذا خاصة في إطار تطور اجتماعي أصبح ممهورا أكثر فأكثر بدخول التقنيات الحديثة التي تتطلب درجات عالية من التأهيل.
وبهذا المعنى ساعد تطور أسواق العمل في تعريض «الأقل تأهيلا» للفقر أكثر من ذوي التأهيل الذي يستجيب لمتطلبات أسواق العمل. وتتعرض مساهمة أخرى لـ «البنية العائلية والأمومة والنتائج على مستوى الفقر وتطوّر».
ويتم التأكيد هنا على أن بنية الأسرة في المجتمع الأميركي مثلا هي بطور التغيّر المستمر. وفي عام 1975 كان ثلثا الأطفال الأميركيين يجدون الأب أو الأم إلى جانبهم في المنزل بصورة مستدامة، أما اليوم فقد انخفضت هذه النسبة إلى أقل من الربع.
وتدل الإحصائيات المقدّمة على أنه في عام 2006 كان هناك 8 بالمائة من نسبة الأسر المرتبطة بالزواج مع وجود أطفال و40 بالمائة من الحالات التي يعيش فيها الأطفال مع الأب أو الأم و14 بالمائة من الفئة المدعوّة بـ «الآباء العازبين» يعيشون في مستوى الفقر. وكان هؤلاء جميعا مشمولين ببرامج دعم الدخل من السلطات العامة وينالون مساعدات غذائية.
ويؤكد الباحثان ستيفن رافائيل وأوجين سمولنسكي في مساهمتهما التي تحمل عنوان «الهجرة والفقر في الولايات المتحدة الأميركية» أن هناك علاقة برزت خلال العقود الثلاثة الأخيرة بين الفقر والأصل الإتني والبلدان التي قدم منها المهاجرون الذين استوطنوا في الولايات المتحدة. هذه مع الإشارة إلى أن مستوى الفقر «يتغيّر» هو الآخر لدى المهاجرين أنفسهم مع الزمن.
ويتم التركيز على فكرة مفادها أن الأجور المتدنية التي يتقاضاها المهاجرون أنعشت المنافسة باتجاه تخفيض هذه الأجور مما سيكون له آثاره «المحتملة» على مستوى الفقر على المستوى الاجتماعي كله.
ويؤكد الكاتبان أن الهجرة الدولية باتجاه الولايات المتحدة الأميركية ما بين عام 1970 وعام 2005 قد زادت من النسبة العامة للفقر في البلاد الأسباب التي يتم تقديمها عديدة وهي أن المهاجرين هم أكثر تعرّضا لـ «الفقر» ثم إن نسبة المقيمين في أميركا من المهاجرين تتعاظم في الأخرى. أما نسبة زيادة الفقر فيتم تقديرها بنصف درجة.
كما تتم الإشارة إلى أن الظاهرة ستكون «عابرة»، خاصة أن موجة الهجرة ليتم كبحها. ومن جهة أخرى تتم الإشارة إلى أن الأميركيين الذين قد يتأثرون بمنافسة المهاجرين هم بالتحديد من لا يمتلكون تأهيلا جيدا.
الكتاب: تغيير الفقر وتغيير السياسات
تأليف: ماريا كانسيان شلدون دانزيجر
الناشر: مؤسسة روسّل نيويورك 2009
الصفحات: 440 صفحة
القطع: المتوسط
Changing poverty, changing policies
Maria Cancian, Sheldon Danziger
Foundation Russel New York 2009
