يعود المؤرخ البريطاني فريدريك تايلور في كتابه الجديد «جدار برلين» إلى سرد قصة هذا الجدار الذي فصل بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية على مدى عدة عقود. وتحديدا من 13 أغسطس-آب 1961 حيث أشيد ذلك الجدار بليلة واحدة حتى 9 نوفمبر-تشرين الثاني 1989 حيث جرى هدمه.

وبعد مرور عشرين عاما على تدمير ذلك الجدار لا يزال موجودا في ذاكرة الكثيرين. ويعود المؤلف في هذا العمل إلى كتابة نوع من «سيرة حياة» جدار برلين الذي كان قد ساد الاعتقاد أنه لن ينهار أبدا.

كذلك يؤرخ المؤلف لمدينة برلين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في شهر أغسطس-آب 1945 عندما رفع اليابانيون رايات الاستسلام وكان النظام النازي قد انهزم وانهار.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية كان السوفييت قد عززوا حضورهم في برلين الشرقية بينما كان الأميركيون والفرنسيون والبريطانيون قد نشروا قواتهم في القطاعات الغربية منها. لقد وجد سكان برلين الغربية أنفسهم آنذاك محاصرين ك»جزيرة رأسمالية» داخل الجمهورية الستالينية.

وفي ظل ذلك التقسيم للمدينة اجتاز الآلاف من شباب ألمانيا الشرقية الحدود المفتوحة بحثا عن الدراسة أو العمل في ألمانيا الغربية الأكثر ازدهارا. طلب والتر اولبرخت، زعيم ألمانيا الديمقراطية ؟الشرقية- آنذاك مساعدة موسكو حيث أن نيكيتا خروشوف يترأس الدولة السوفييتية منذ وفاة ستالين عام 1953. تردد السوفييت، لكن أظهرت الإحصائيات في عام 1961 أن حوالي مليونين من الألمان الشرقيين كانوا قد اجتازوا الحدود باتجاه البلدان الغربية.

ويشير المؤلف أنه في مثل ذلك السياق «الذي كان ينبئ بكارثة» على صعيد نزيف الأدمغة والبشر، قامت ألمانيا الشرقية بعد ظهر يوم أحد مشمس من شهر أغسطس-آب 1961 بإغلاق الحدود لتظهر بعض الأسلاك الشائكة وبعد كتل الخرسانة. لقد أصبح «الهروب» إلى الغرب صعبا، لكن ذلك لك يمنع تكرار سلسلة من المحاولات اليائسة.

إن المؤلف يكرّس العديد من صفحات الكتاب لوصف تلك «المغامرات» التي خاضها عدد كبير من الألمان الشرقيين على «دروب الحرية». البعض من أولئك البشر حاولوا المرور عبر الحياة المتجمّدة في صقيع برلين البارد وولج آخرون مجاري المياه واختار قسم آخر محاولة عبور الحدود عبر البوابات «الرسمية» بواسطة أوراق مزوّرة.

ويصف المؤلف أيضا بعض المغامرات الفردية التي تشبه كثيرا ما يجري في الروايات البوليسية مثل محاولة أحدهم «اختراق» حواجز الرقابة بسيارته «الرياضية» المسرعة. البعض كانوا «أقل حظا» وقتلتهم رصاصات حرس الحدود الألمان الشرقيين.

ويشير المؤلف إلى زيارة قام بها لندون جونسون، نائب الرئيس الأميركي آنذاك، إلى برلين بعد فترة قصيرة من إغلاق الحدود. وكل ما طلبه جونسون من رئيس برلين الغربية «ويلي برانت»، الذي أصبح مستشارا لألمانيا فيما بعد، هو «إمكانية شراء بعض قطع الأواني الفخّارية الفاخر»، مع الاعتراف أن الغرب ليس بمقدوره أن يفعل الشيء الكثير ضد إغلاق الحدود.كانت أميركا قد أقرّت بالواقع الجديد الذي يؤمّن حضورها في القارّة الأوروبية.

وما بين برلين الشرقية وبرلين الغربية كانت هناك آنذاك منظومة من الحواجز والألغام والأسلاك الشائكة ونقاط المراقبة وحيث كان «الجدار» هو الحاجز الحدودي الأخير. وقد بدا خلال سنوات الثمانينات أن الألمان الشرقيين قد استكانوا للأمر الواقع كما دلّ التضاؤل الكبير في عدد محاولات الهرب إلى الغرب. لكن يتم التأكيد مع ذلك أن شعورا «خفيا» كان يسود في الوقت نفسه بوجود «شيء ما» يتحضّر في العمق.

وما يؤكده المؤلف هو أنه لم يكن هناك من تهيأ لفهم السرعة التي جرى فيها تهديم الجدار. وفي ليلة 9 نوفمبر- تشرين الثاني 1989 كان الرئيس السوفييتي آنذاك ميخائيل غورباتشوف ينام بعمق بينما كان الآلاف يفتحون بمعاولهم ثغرة في جدار برلين. وكان المستشار الألماني الغربي هلموت كول في زيارة إلى بولندة .

حيث كانت قد تشكّلت حكومة جديدة تشارك فيها نقابة «التضامن» التي انطلقت شرارتها الأولى من مدينة «غدانسك» في صيف عام 1980، وكان أحد محرّكيها الأساسيين هو ليش فاليسا الذي أصبح رئيسا لبولندة فيما بعد.إن المؤلف يقدم في الصفحات الأخيرة من الكتاب توصيفا دقيقا لتلك الليلة التي اختلطت فيها كل المشاعر في إطار حالة من الفرح العام إثر فتح الحدود بين الألمانيتين. وهو يتحدث طويلا عن تلك الجموع التي ظلت «ترقص طيلة الليل» فوق جدار برلين وحيث كان مجرّد وجودها فوقه قبل ساعات قليلة يعني التعرّض لإطلاق النار وربما الموت.

الفصل الأخير من الكتاب مكرّس لبحث «نتائج هدم الجدار». وفي مقدمة هذه النتائج الكلفة الباهظة لعملية إعادة توحيد ألمانيا على خلفية عدم إدراك درجة التردّي التي كان يعرفها اقتصاد ألمانيا الشرقية، وحيث كان قادتها قد نجحوا في «تمويه» تلك الحالة. كذلك وجد الألمان الشرقيون أمامهم «عدة مفاجآت»، خاصة أنهم كانوا يستفيدون مجانيا من الضمان الصحي والتعليم. وكان عليهم أن يكتشفوا «العالم الرأسمالي الجديد».

وينتهي المؤلف إلى القول أن الوضع الذي وصلت إليه ألمانيا بعد حوالي عقدين من إعادة توحيدها يدعو إلى القول أن صفحة كاملة من الانقسام قد جرى طيها نهائيا، وألمانيا محكومة اليوم من سيدة عاشت وترعرعت في ألمانيا الشرقية.

الكتاب: جدار برلين

تأليف: فريديريك تايلور

الناشر: بلومسبوري لندن 2009

الصفحات: 528 صفحة

القطع: المتوسط

The Berlin war

Frederick Taylor

Bloomsbury Publishing- London- 2009

5