من بين الكتب التي تهتم بالمشهد الثقافي العربي بين الأمس واليوم كتاب جديد تحت عنون «جيل من المثقفين العرب» لمؤلفته الباحثة ليلى دخلي التي تخص بالدراسة الجيل الذي عرفته سوريا ولبنان خلال سنوات 1908-1940، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية تحمل عناوين: «جيل ثقافي 1908-1916» ثم «أمام الامتحان والانقسامات والنهوض 1916-1940» وقسم ثالث يخص «عالم المثقفين الصغير، بين التميّز والمكانة الثقافية».نقطة الانطلاق في تحليلات المؤلفة هي عام 1908 حيث تؤكد أنه كانت هناك ثورة تتفاعل في تلك السنة على أراضي الإمبراطورية العثمانية. وكان السلطان العثماني عبد الحميد الثاني قد اضطر تحت ضغط ضباط حركة «تركيا الفتاة» أن يعيد العمل بالدستور الذي كان معلّقا منذ عدة سنوات. وترافق ذلك مع تخفيف إجراءات الرقابة ومنح هامش من حرية التعبير.

كانت الترجمة شبه المباشرة لذلك الانفتاح هي بروز دور المثقفين الذين كان قد جرى قمع صورتهم لمدة سنوات. وهكذا عادت إلى الواجهة كتابات تدعو إلى الحرية والعدالة والمساواة وغير ذلك من المبادئ ذات النزعة الإنسانية.

وفي مثل ذلك السياق قامت في بلاد الشام، كما تشرح المؤلفة، بوادر نهضة ثقافية كان عمادها «جيل جديد» برز وأخذ دوره «الريادي» للإعلان عن آمال وطموحات سكان الولايات العربية التابعة للباب العالي ببلاد الشام عموما.

لم تكن مطالب ذلك الجيل الجديد من المثقفين المنفتحين على العالم هي أقل من البحث عن إجراء تغيير جذري في المجتمع وفي الثقافات «الجامدة» السائدة بواسطة سلاح «المعرفة». ممثلو ذلك الجيل الجديد كانوا ينخرطون عامة في عدة مهن ذات علاقة مباشرة بالحياة العامة مثل الصحفيين والأكاديميين والمحامين وأساتذة الجامعات وحتى البرلمانيين.

ويكتسب هذا العمل أهمية خاصّة من حيث أن مؤلفته تكرس جهدها لدراسة فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بين الحربين التي لم يتم التعرّض لها كثيرا، خاصة باللغات الأجنبية، قياسا إلى فترة مرحلة النهضة بنهاية القرن التاسع عشر، وإلى فترة ما بعد الاستعمار. تجدر الإشارة إلى أن تحليلات هذا الكتاب تعتمد «مباشرة» على الأطروحة التي كانت المؤلفة قد دافعت عنها عام 2003 لنيل شهادات الدكتوراه حول موضوع «المثقفين السوريين واللبنانيين في النصف الأول من القرن العشرين».

لكن من المقصود بأولئك المثقفين؟ إن الجيل الأول منهم برز بالتوازي مع نهوض أجيال شابة في تركيا العثمانية واستفاد من أجواء «الحرية» النسبية التي لم تكن متوفرة سابقا. ومع تزايد ضعف الإمبراطورية العثمانية، «الرجل المريض» كما شاعت تسميتها في الغرب، ثم انهيارها انفتحت الأبواب أمام مختلف الخيارات. وفي مثل السياق أكّد «الجيل الثاني» من المثقفين السوريين واللبنانيين حضوره في نهاية عقد العشرينات.

كان الجيل الثاني يتمتع بقدر أكبر من التخصص. وبدا أنه بمثابة ردّ موجه إلى «الجيل الأول الذي انجذب المنضوون في إطاره إلى أشكال من الصعود الاجتماعي أو إلى شعارات زعمت فرنسا أنها تجسّدها دون تطبيقها». أحد الوجوه التي مثّلت المسار الجماعي للنهوض الثقافي آنذاك تحدده المؤلفة بمحمد كرد على «الصحفي الدمشقي» الذي كان يُعتبر في شبابه إصلاحيا.

بكل الحالات يتم تقديم قطيعة 1908 باعتبارها «الحدث الذي كان وراء ظهور شخصية اجتماعية جديدة يمثّلها المثقفون». وكان المثقفون العرب، من رجال ونساء، قد تلقوا تعليما مثّلت اللغات أي العربية والتركية والفرنسية أو الانكليزية وكانوا قد احتكّوا بالثقافات الغربية. وقد لعبت دورا كبيرا ك«جسر» بين الأوساط الثقافية العربية والأوروبية. وفي المحصلة تسارع تحرر عدد من المثقفين العرب من الإطار العثماني، ولم يكن ضعف الإمبراطورية العثمانية بعيدا عن ذلك.

وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تؤكد على فكرة مفادها أن المثقفين السوريين واللبنانيين لم يستلهموا مرجعياتهم عن الحرية والتحرر من «المرجعيات الأوروبية» بل من الانتماء مع بقية النخب في العالم إلى ثقافة كونية «مشتركة»، فإنها تشير في أكثر من مناسبة إلى تأثرهم بأفكار عصر التنوير.

وفيما هو أبعد من «المرجعيات» كان القاموس المستخدم قريبا من ذلك الذي عرفه عصر النهضة الأوروبي. وهذا ما تقوله المؤلفة صراحة عندما تؤكّد: «إن الكلمات المستخدمة هي بشكل أساسي تلك التي شاعت في فترة عصر التنوير والثورة الفرنسية وبأسلوب فيه الكثير من الرومانسية».

ومن الواضح أن مؤلفة هذا الكتاب تناقش المثقف ودوره في الإطار العام والشامل «العالمي» من حيث انتمائه لقيم الحرية والعدالة، ولكن أيضا في إطار خصوصيات مساره التاريخي وتطلعاته إلى لعب دور في الواقع الذي يحيط فيه وفيما هو أبعد من الكيانات القانونية، وبهذا المعنى تحرص المؤلفة على استخدام تعبير المثقفين السوريين-اللبنانيين بناء على «المطالب المشتركة» رغم وجود دولتين.

هذا الكتاب يخص بالدراسة فترة تعود إلى النصف الأول من القرن الماضي «العشرين»، لكن الموضوع يحتفظ بكل راهنيته في عالم عربي يبحث فيه المثقف باستمرار عن دوره «المفقود».

الكتاب: جيل من المثقفين العرب

تأليف: ليلى داخلي

الناشر: كارتالا باريس 2009

الصفحات: 359 صفحة

القطع: المتوسط

Une génération d'intellectuels arabes

Leyla Dakhli

Kartha la - Paris 2009

Kart