كثيرة هي الكتب التي عرفتها رفوف المكتبات الفرنسية والأوروبية والعالمية خلال الأشهر الأخيرة عن الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة وسبل الخروج منها. وهذا الكتاب لأحد رجال السياسة البلجيكيين المعروفين غي فيرهوفستات هو واحد منها وهو مكرس «لدور أوروبا في إمكانية إنقاذ العالم» كما يدل عنوانه الفرعي، بعد عنوان رئيسي هو «الخروج من الأزمة».

هذا الكتاب وصفه بعض المعلقين أنه «أحد أهم الكتب عن أوروبا التي عرفتها السنوات الأخيرة». وهو في عمقه «مرافعة» للمطالبة بالخروج من الأزمة مع رسم نوع من «خارطة الطريق» الأوروبية من أجل ذلك. بل ونوع من «خطة الإصلاح» على الطريقة التي واجه فيها روزفلت أزمة 1929. وهذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول: «مسيرة هجومية للبعد الأوروبي».

مؤلف هذا الكتاب، والسياسي البلجيكي المعروف، يثبت في هذا الكتاب أنه يمتلك الكثير من الشجاعة. ذلك أنه لا تقتصر على تقديم بعض الأفكار النظرية بل هو يذهب أبعد من ذلك، إنه يقترح في الواقع خطة لخروج العالم من الأزمة التي تهزّه بالعمق منذ عام 2007.

ولعل الميزة الأهم والأكبر لهذا الكتاب تتمثل في البعد التربوي «البيداغوجي» الذي يستخدمه المؤلف في عرضه للأسباب التي أدت اندلاع الأزمة الراهنة. ذلك ابتداء من شهر فبراير 2007 عندما انهار سوق البناء وجرّ معه انهيار عددا هاما من المؤسسات المصرفية والمالية الأميركية العاملة خاصة في ذلك القطاع. ولم تتأخر آثار ذلك «الانهيار» في الظهور على صعيد الاقتصاد العالمي كله.

ومن النتائج الأساسية للأزمة الراهنة يحدد المؤلف تأكيده على «موت اللبرالية الجديدة»، أي تلك التي تقوم على حرية المنافسة دون أية ضوابط لآليات المبادلات والمعاملات المالية ودون أية قواعد. بالمقابل لا تزال «اللبرالية» بالمعنى التقليدي الذي طبقته عدة بلدان رأسمالية وحققت على أساسه ازدهارا اقتصاديا كبيرا موجودا، وبالتالي تتم المطالبة بالعودة إليها كسبيل لإنقاذ الاقتصاد العالمي كله.

وفي هذا السياق بالتحديد يؤكد المؤلف على الدور الذي يمكن أن تلعبه القارة الأوروبية من خلال ما يسميه بـ «القناعات الأوروبية» للبرالية. ومن هنا أيضا يمكن لأوروبا تقديم مفاتيح المستقبل بالنسبة للعالم.

هذا في واقع تبدو فيه الأبواب مغلقة وتلوح فيه أزمات جديدة، ربما في الأفق القريب، إذا جرى الاستمرار في النهج الحالي.ويحدد المؤلف مجموعة من النقاط، أو من المراحل التي تبدأ في أوروبا نفسها. وأولها تنظيف القطاع المالي الأوروبي نفسه عبر اللجوء إلى مقاربة أوروبية مشتركة تشترك فيها كل دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة وليس خوض معركة تنقية هذا القطاع فرادى وحسب الرواية الخاصة لكل دولة.والنقطة الثانية، والأكثر أهمية بنظر المؤلف، هي إعداد خطة كاملة متكاملة للنهوض الاقتصادي على المستوى الأوروبي.

هذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول: «هذه الأزمة استثنائية، وهي تتطلّب بالتالي حلولا استثنائية هي الأخرى بعيدا عن الوصفات التقليدية وبعيدا عن الخطط الوطنية التي تؤدي إلى تفريق الجهود والتي تؤدي في أسوأ الاحتمالات إلى جعل تلك الجهود دون أي مردود».

المفارقة التي يشير إليها المؤلف هي أن الولايات المتحدة الأميركية كرّست وحدها مبلغ 600 مليار دولار من أجل مجابهة آثار الأزمة وكبح انهيار المؤسسات المالية والاقتصادية الأميركية. بالمقابل تقوم دول الاتحاد الأوروبي ال27 بتحضير 27 خطة منفصلة وبمبلغ إجمالي لم يتجاوز ال200 مليار يورو، بما في ذلك مساهمة المفوضية الأوروبية ومساهمة البنك الأوروبي للتنمية.

ترجمة هذه المفارقة بين الولايات المتحدة وأوروبا بواسطة لغة الأرقام هي قول المؤلف: «بتعبير آخر، ورغم أن الأزمة تضرب مباشرة وبقوة أوروبا التي يزيد عدد سكانها بنسبة الثلث ؟ قياسا بالولايات المتحدة- فإنها لم تكرس لمواجهة الأزمة سوى ما يعادل ثلث الجهود الأميركية».

وتقول الأرقام المقدّمة أيضا أن الولايات المتحدة تكرّس 6 بالمئة من إجمالي إنتاجها الداخلي ؟إنتاجها القومي- وما يعادل 2500 دولار كل فرد أميركي لمواجهة الأزمة مقابل 5,1 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي الأوروبي وما يعادل 400 دولار لكل فرد من أبناء القارة القديمة.

النقطة الثالثة التي يؤكدها المؤلف هي أن الخطة الأوروبية المتكاملة للنهوض الاقتصادي على المستوى الأوروبي غدت ضرورة ملحّة أكثر خاصة أنه من المطلوب «تنشيط» الاستهلاك الداخلي ومبيعات الشركات. لكن لا فائدة، برأي المؤلف، من إنعاش الطلب عبر زيادة القدرة الشرائية للمواطنين فقط إذا كانوا ينظرون إلى المستقبل بتشاؤم مما قد يدفعهم نحو «التوفير» وليس الاستهلاك.

هذا يعني أن المطلوب هو «مواجهة الأزمة بطريقة بنيوية ؟ في العمق- وليس معالجتها على أساس خطط ظرفية».وبناء على قراءة الواقع القائم في أوروبا اليوم على صعيد مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة يُبدي المؤلف قدرا كبيرا من التشاؤم فـ «إذا كانت هناك إستراتيجية ذات مصداقية للخروج من الأزمة، فإن مثل هذه الإستراتيجية غير موجودة اليوم في الاتحاد الأوروبي».

كما يقول المؤلف ثم يضيف أنه «لا ينبغي بالطبع أن تقوم الخطة الأوروبية في الفراغ. وقد جاءت اللحظة التي ينبغي فيها على الاتحاد الأوروبي، أو في منطقة اليورو على الأقل، إستراتيجية اجتماعية اقتصادية (...). وينبغي أن يكون الهدف هو نفسه للجميع وهو تأمين التقارب بين مختلف اقتصادات الدول الأعضاء وتحديثها».

وفي المحصلة، ورغم أن أطروحة قيام الولايات المتحدة الأوروبية، التي نادى فيها الشاعر فكتور هوغو لم تعد «على الموضة»، فإن مؤلف هذا الكتاب يحاول في هذا العمل أن يعيد لها الحياة من جديد. بكل الحالات من المعروف عنه أنه كان باستمرار «أوروبيا متحمسا».

الكتاب: الخروج من الأزمة

كيف يمكن لأوروبا

إنقاذ العالم

تأليف: غي فيرهوفستان

الناشر: اندريه فيرساي

باريس 2009

الصفحات: 256 صفحة

القطع: المتوسط

Sortir de la crise

Guy Verhofdtadt

André Versailles Paris 2009

256P.