«نصف قرن من اليوتوبيا»، هذا هو العنوان الذي اختاره أحد قادة اليسار اللبناني للحديث عن تجربته الحياتية والسياسية وعبرهما عن التاريخ السياسي والثقافي للبنان المعاصر. ومن خلال منظور نقدي يناقش فيه المؤلف ب«لا رتوش» العديد من المسائل الأساسية المطروحة على منطقة الشرق الأوسط.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية يضم كل منها عددا من الفصول. ويتركز الأول منها على المسار الشخصي للمؤلف منذ الطفولة حتى الشباب مع المرور على «المحطات» الأساسية ساهمت في صياغة مسيرته الفكرية والسياسية من قريته بجنوب لبنان إلى بيروت ومرورا بسنوات بغداد. ويحمل القسم الثاني عنوان «بين الأممية والنزعات القومية» وهنا يقوم المؤلف بالعودة إلى أحداث «مفصلية» شهدتها سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي في المنطقة العربية مثل «وحدة سوريا ولبنان» وأحداث 1958 في لبنان والتمرد في هنغاريا ؟ المجر- عام 1956.
أما القسم الثالث والأخير فمكرّس ل«فترة الحروب» الكبيرة والصغيرة حيث تحمل الفصول عناوين «الثورة الفلسطينية» و«الصراع من أجل السلطة في لبنان» و«هل كان تجنّب الحرب الأهلية اللبنانية ممكنا»؟ و«الاجتياح الإسرائيلي عام 1982» و«الحروب الصغيرة».
ولعله تنبغي الإشارة منذ البداية أن كريم مروّة، حتى عندما يتحدث عن حياته الشخصية «وعن أحداث عرفها مساره الإنساني، إنما يتعرّض بالوقت نفسه إلى ما هو شامل وعام.
هكذا يتحدث في الصفحات الأولى عن طفولته وعن أسرته وأخوته وقريته ويرسم بنفس الوقت صورة للحياة الاجتماعية ولعلاقاتها وتداخلاتها وعاداتها وعن الثقافة السائدة وأيضا عن الواقع السياسي حيث »كانت الصراعات والمنافسات الشديدة قائمة في لبنان آنذاك ؟ منتصف الأربعينات- بين مختلف الاتجاهات السياسة من شيوعيين وقوميين عرب وقوميين سوريين من جهة والأحزاب المحافظة من جهة أخرى».
وفي الفصل الأول من سنوات النضال «الحقيقي» يدعو المؤلف قارئه إلى «قلب أحداث هنغاريا 1956» وإلى أجواء الثورة الكوبية في مطلع سنوات الخمسينات واندلاع ثورة التحرير في الجزائر. ولا يتردد في «الاعتراف» أنه عاش «مرارة» حقيقية عندما عاش «تجربة مباشرة» لما جرى في هنغاريا.
يكتب:«منذ وصولي إلى بودابست، عرفت ما الذي جرى في هنغاريا وفي بلدان أخرى بشرق أوروبا إثر قرارات اتخذها ستالين. لقد هزني ذلك بعمق لكن دون أن أترك أي تعبير ينمّ عن ذلك، لقد قمعت حيرتي ومرارتي. وكما علّموني في الحزب قمت بتبرير ما جرى باسم مصلحة الاشتراكية».
إن كريم مروّة يعود إلى الحديث عن الكثير من الأحداث التي عرفتها الحياة السياسية في لبنان وسوريا خلال سنوات الخمسينات المنصرمة وليس أقلّها شأنا قيام الوحدة بين مصر وسوريا في إطار الجمهورية العربية المتحدة وما رافق من قمع تعرّض له الشيوعيون وحيث يقدم المؤلف الكثير من التفاصيل عن اعتقال فرج الله الحلو وموته تحت التعذيب تحت عنوان «آخر الذكريات عن فرج الله» الذي كان قد رآه للمرّة الأخيرة قبل يوم من سفره إلى دمشق يوم 23 يونيو-حزيران 1959.
كانت تلك هي رحلته التي لم يعد منها أبدا على يد جهاز الاستخبارات الذي كان يقوده عبد الحميد السرّاج في مطلع عهد الوحدة السورية-المصرية. لقد أنشئت آنذاك لجنة للدفاع عن فرج الله الحلو كان في عدادها شخصيات كبيرة لبنانية وسورية وفرنسية وإيطالية ويابانية وبرازيلية وجنسيات عربية أخرى.
لكن لم يكن معروفا أن فرج الله قد توفي منذ اليوم الأول لاعتقاله.الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب تحمل في عنوانها سؤالا يقول: «نهاية تجربة أم نهاية تاريخ»؟ ويشير فيها المؤلف أنه عندما كان شابا «اشتراكيا» آمن تماما أن العالم سيكون أفضل. «عالم سيتمتع فيه الإنسان بكل الحقوق وبكل ثمرات التقدم العلمي، وب«الحرية والمساواة والعدالة».
كان ذلك المستقبل هو الذي حلم فيه وكان يشاطره فيه ملايين البشر، كما يقول، ولكنه لا يتردد في القول اليوم، وبعد أخذ المسافة التي فرضها الزمن والواقع، أنه كان هناك اختلاطا في الرؤية لدى أصحاب ذلك الحلم، الذي لم يروا سوى أحلامهم ولم يروا الواقع. ويعبّر المؤلف عن هذا بجملة جميلة تقول: «كنت أخشى أن يهدد حدوث تشوش ما إلى قتل الحلم بداخلي».
لكن بالمقابل لم يكن متصوّرا ولا مسموحا فيه حقيقة الحديث في فترات أولى عن «أزمة تعاني منها الاشتراكية». وكل من كانت تسوغ له نفسه مثل ذلك الحديث كان يتم وصفه مباشرة ب«مناهض للاشتراكية» في ظل «غياب أي فكر نقدي-مبدع».
الوجه المقابل لمثل هذا الغياب كان إيجاد التبريرات لكل الأخطاء المرتكبة على المستوى النظري، كما على المستوى العملي. وبين تلك الأخطاء يذكر المؤلف مقولة «التطور الرأسمالي» التي جرى اختراعها في نهاية فترة حكم خروشوف وبدايات حكم بريجينيف والتي كانت تعتمد على المبدأ القائل ب«تعدد سبل الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية».
وتقول إحدى الجمل الأخيرة ذات الدلالة البليغة في هذا الكتاب: «ماركس ليس نبيا ورأس المال ؟ كتابه الشهير- ليس مقدّسا». بالتالي يجب إخضاع كل الأفكار إلى النقد وإعادة النظر وتطويرها وتجديدها.
الكتاب: نصف قرن من «اليوتوبيا»
تأليف: كريم مروّة
الناشر: تيراردي باريس 2009
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
Un demi-siècle d 'topie
Karim Mroué
Térarède - Paris 2009

