«بصوت منخفض»، هذا هو عنوان الكتب الذي يرسم فيه المغني الفرنسي، الأكثر شهرة في العالم اليوم، صورته الذاتية وهو على مشارف الخامسة والثمانين من العمر.

إن شارل ازنافور يعود في هذا الكتاب إلى سنوات طفولته «المتواضعة» ويحكي عن مختلف محطاته الأساسية وصولا إلى أعلى سلّم الشهرة ومرورا بالحديث الطويل عن بداياته «البوهيمية» وبالحديث أيضا عن أسرته «الأرمينية» وأصدقائه «في الكار» وفي الحياة وعن النساء «القليلات» اللواتي أحبهن، وبالطبع عن اللحظات الصعبة التي عاشها. هذا إلى جانب الكثير من الحكايات والقصص «الصغيرة» بغية مشاركة الذين يقرأون «قصته» متعتها.ويرسم ازنافور عدة جوانب من شخصيته. إنه يحكي عن «الكاتب» الذي يسكن في أعماقه وتعلّقه الكبير بالكلمات وبرغبة القراءة والكتابة. وهناك أيضا الفنان، المغني والمؤلف الموسيقي، الذي يؤكد أنه عانى كثيرا كي يصل إلى ما أراد، لكنه لم يفقد في أية لحظة من حياته ومن مسيرته عطفه وحبه للأجيال الشابة التي اتجهت نحو الفن بمختلف مشاربه.

يقول شارل ازنافور: «لقد جئت من أسرة متواضعة. هكذا فضلت أن أجعل من التواضع طريقة للعيش». لكنه يؤكد بنفس الوقت أنه لم ير أبدا في فقره سببا للشقاء. بل أعتبر أن من «واجبه» أن يشق طريقه وأن ينجح: «لا أعتقد أن الفقر حجّة مقبولة كي لا يتعلّم الإنسان»، كما نقرأ. ويضيف في مكان آخر: «عليكم أن تتساءلوا بصدق إذا كان المحيطون بكم ليسوا مجموعة من الكسالى».

ولا يتردد ازنافور في القول أن «الإبداع» في الفن كان السبيل الذي جعله «يولد من جديد» و«ينبعث من رماده». كان يريد أن يكون كاتبا من أجل تجاوز المأساة التي يولد الأرمن معها وحيث لم يكن من السهل عليهم، وعليه أيضا، أن يتجاوز حقده. يقول: «لقد حدث لي وفكّرت غالبا أن حبّي للكتابة له علاقة بأصولي وبالمآسي التي عاشها الأرمن».

ما يؤكده هو أنه لم يتعرّض شخصيا لأي أذى مباشر كالذي تعرّض له الأرمن عام 1915 لكن هذا لا يمنعه من القول: «إن صورا مرعبة تتردد على ذهني في الأوقات التي لم أكن أنتظر فيها ذلك».

وما يؤكد ازنافور هو أنه لا يستطيع أن ينسى، وأنه لا يستطيع أن لا ينفعل ويحتج من موقف حكومات الاتحاد الأوروبي» التي تتغنى بالديمقراطية». لكنه يرى بنفس الوقت أن زمن مصالحة الشعوب قد حان وينبغي «تمزيق كتب التاريخ المزوّرة». وبالتالي لا يتردد في تأكيده أنه مع المصالحة بين الشعبين، الأرميني والتركي.

وما يؤكده ازنافور أن كتابه ليس مجرد عودة إلى الذكريات، بل وليس كتاب ذكريات، ولكنه موجّه بالدرجة الأولى إلى الشباب الذين «يحبهم»، ويدعوهم للشجاعة والتماسك في هذا «الزمن الصعب».

ثم إن الحياة كانت أكثر سهولة في الماضي، وقليل من النشاط ثم الجهد و«عزف بعض القطع الموسيقية» كان كافيا كي يصبح المرء معروفا. أما اليوم لم يعد مطلوب النشاط والجهد، بل المرور عبر برامج بث تلفزيونية من نوع «ستار أكاديمي» كي يأمل الشباب أنهم سوف يصبحون نجوما بين ليلة وضحاها، المطلوب هو العكس، يرى شارل ازنافور.

أما عن نفسه، فهو لا يعتبر أنه «نجم»، ولا يقرّ أنه مشهور على صعيد العالم أجمع. هكذا لم يتعرّف عليه عندما كان منذ فترة في اوزبكستان سوى أربعة أو خمسة أشخاص. «النجومية» أصبحت صناعة.

ثم إن إحدى مشاكله يحددها في القول أنه يجيد الكتابة أكثر مما يجيد الكلام والحديث الشفهي. وهو يعتقد أنه «أكثر ذكاءً عندما يكتب مما هو عندما يتكلّم».

ويشير شارل ازنافور إلى أنه اكتسب الجنسية الأرمينية في شهر ديسمبر-كانون الأول من عام 2008. لكنه كان شديد الاهتمام دائما بأرمينيا، وزاد التزامه فيها منذ الهزة الأرضية العنيفة التي أصابتها عام 1988. وقد أصبح من خلال ما قدّمه «بطلا» فيها. «لقد صنعوا لي تمثالا في مدينة غرومي وأنا على قيد الحياة». وهو يؤكد بأكثر من مكان في هذا الكتاب أنه ظل أرمني القلب.

نقرأ: «إنني لم أبحث في أي يوم من الأيام أن أعبث بماضيّ. واسمي عند الولادة هو ازنافوريان، وإذا كنت قد تخليت عن «يان»، فهذا ليس أبدا كي أزيل النكهة الأجنبية عند سماع الاسم، ولكن لسبب بسيط هو سهولة التعامل. وتصوّروا إعلان مكتوب عليه شافور ازنافوريان».

وفي المحصّلة يؤكد شارل ازنافور على عدة مقوّمات وفضائل ينبغي على الفنان خاصة، وعلى الإنسان عامة، أن يتحلّى فيها من أجل النجاح ويحددها في التواضع والتعقّل والشجاعة.

أما ترجمة هذه الفضائل فتتم عبر الجد والعمل وبحيث يتم بناء المسار المهني خطوة خطوة فـ «إذا أصبح الإنسان نجما في مجال ما» بسرعة كبيرة، فسوف يصل إلى «فردوس الأوهام»، وهذه بوابة مفتوحة على جحيم التقهقر. وثمرة مثل هذا العمل لن تكون سوى القشور. ذلك أنه ليس هناك أي وهم، فأصعب شيء باستمرار هو الصبر والتماسك».

شارل ازنافور، عاشق للحياة وهو في الخامسة والثمانين من العمر. إنه يعيش «خريف» حياته بفهم ذلك الطفل الذي كان يجوب شوارع باريس بحثا عمّن يفتح له باب عالم الموسيقى قبل الحرب العالمية الثانية. والذي لم يكن يحلم أن يصبح «النجم شارل ازنافور».

هذا الكتاب هو قصة حياته ولكنه بالتأكيد أكثر من ذلك، إنه قبل أي شيء رسالة إلى جيل الشباب.

الكتاب: صوت منخفض

تأليف: شارل ازنافور

الناشر: دونكيشوت باريس 2009

الصفحات: 228 صفحة

القطع: المتوسط

A voix basse

Charles Aznavour

Don Quichotte

Paris 2009

228P.