مع اطلالة المجموعة القصصية للكاتب الأميركي جاي ماكنرني بعنوان «كيف انتهى الأمر» أجرت صحيفة «أوبزرفر» اللندنية هذه المقابلة معه، حيث حرص على القاء الضوء على السياق الذي أفرز قصص المجموعة وما تعيشه أميركا من تبعات الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من أرضها، متنقداً جنون الاستهلاك ومراكمة رأس المال الذي تعاني منه أميركا وإفلات بورصة وول ستريت من عقالها.

مشيراً إلى أنه على الرغم من حياة الثراء والترف التي يعيشها الآن، إلا أنه لم يفقد نظرة اللامنتمي التي طالما تأمل بها المجتمع الأميركي، وتوقع أن تكون روايته الجديدة بين أيدي القراء في سبتمبر المقبل. وفيما يلي نص الحوار:

حلق الكاتب الأميركي جاي ماكنرني إلى سماء الشهرة عام 1984 على جناحي روايته الأولى «أضواء باهرة، مدينة كبيرة» التي تلقي الضوء على حياة أثرياء نيويورك المتحمسين لمذهب المتعة، والآن وبعد ربع قرن من النجاح والتألق وما يصفه هو بأنه 17 أزمة منتصف حياة يتواصل الحوار معه حول العديد من القضايا والموضوعات التي طالما مثلت محاور أساسية لاهتماماته.

وبعد العديد من الزيجات والطلاق فإن ماكنرني متزوج الآن من آن هيرست حفيدة مالك الصحف الشهير وليام راندولف هيرست، وتبدو حياته مكسوة بالذهب. ألا يشعره ذلك بالقلق إزاء خطر تعرضه لفقدان عيني اللامنتمي اللتين طالما نظر بهما إلى المجتمع الأميركي؟

يبادر ماكنرني إلى القول: هذه الحياة لها مخاطرها بالتأكيد. ولكنني على تواصل مع عوالم لا يصل إليها الكثير من الناس الجادين. وأنا لا أخاف من خيانة الناس، فشخصية المنقب على الذهب، وهي شخصية محورية مقيتة في إحدى قصص مجموعة «كيف انتهى الأمر»، تقوم على أساس شخصية واقعية، وهي ليست بالشخصية التي أعرفها معرفة وثيقة، ولكن تلك قصة من العالم الذي عاشت فيه زوجتي آن، وهو العالم الذي أدخله وأخرج منه، وليست لدي شكوك حول موضوعيتي.

ومن الطبيعي أن ماكنرني معتاد على الأسئلة التي توجه إليه حول شخصياته، وقد درج النقاد منذ وقت طويل على التناول الانتقادي الساخر لكل من نمط حياته الحافل بالنسوة والحفلات والأحداث الصاخبة ونمط حياة شخصياته، وهي تفاصيل عرفوها بفضل الشهرة المدهشة التي نالها بعد اصداء روايته الأولى «أضواء باهرة، مدينة كبيرة»، وفي كثير من الأحيان يخلطون بين هذين الجانبين.

ويعقب ماكنرني على ذلك بالقول: إن الناس يضعون موضع التساؤل شرعية مادة أعمالي. وشخصياتي تبدو متميزة، وهناك انحياز اشتراكي إلى إجماع العالم الأدبي، أي عقلية الثلاثينات من القرن العشرين التي تقول إن عمال المصانع أكثر جدارة باهتمامنا. ولكن الشخصيات الأكبر تمثيلاً لي هي شخصيات متميزة تعليمياً وثقافياً وليس ماليا. وهؤلاء الناس مؤثرون كذلك. ولهم صلة وثيقة بالطريقة التي ينتهي الكثيرون منا إلى العيش بها.

ولا أعتقد أنهم ينبغي أن يغيبوا عن تدقيقنا، فهم يمتلكون الصحف ومحطات التلفزيون، ويتلاعبون بالأسواق، ومن المهم التدقيق في كل ما يتعلق بهم. ويضيف: من ناحية أخرى، فإن الأزمنة تتغير، وآمل أن تطل روايتي الجديدة في سبتمبر المقبل، وبطلها رجل يعيش حياة ناجحة للغاية في نيويورك إلى أن ينهار ويحترق، ويعيش في منطقة ساج هاربور المتواضعة، محاولاً لم شتات حياته.

إذن فهذه الرواية الجديدة تدور حول الانكماش؟

يرد ماكنرني: عندما بدأت تأليف روايتي الجديدة، كانت الأمور قد شرعت لتوها في أن تغدو غريبة، وأنا أكتبها في الزمن الواقعي، ففي الكتاب تدور الأحداث في يونيو 2009، وهكذا فإن المادة المالية تحتل مكانها في خلفية الرواية، والبطل اعتاد أن يكون في العالم المالي، وقد انتقل من كونه شخصاً يعد بمثابة سيد عالمه إلى خادم، إلى خدمة الأغنياء والمشاهير في لونج أيلاند.

ويشير الكاتب الأميركي: لقد رأيت أناساً كانوا يمتلكون كل شيء، وخسروا كل شيء، والكثير منهم خاض غمار هذه الدائرة. وكان العديد منهم يخطون بالكثير من المال منذ البداية. ومن الصعب الشعور بالأسف حيال أناس تراجعت ثرواتهم إلى نصف المليار الأخير فيها.

وأنا أعرف شخصاً خسر عدة مليارات من الدولارات هذا العام، ولكنني لا أعتقد أنه سيقف في الشارع ليستجدي قريباً، وأنا أعرف عائلة فقدت كل ثروتها لحساب بيرني مادوف، وأعرف البعض ممن فقدوا بعض مالهم في التعامل معه، وهم يبيعون سياراتهم وبيوتهم، ولكن ذلك لن يتدنى بهم إلى مستوى الفقر، ولكن حدث تغير نفسي.

والكثير مما نتحدث عنه في نيويورك هو أقرب إلى التجاوزات منه إلى الأخلاقيات، والاستهلاك الجشع لم يعد صرعة رائجة، فما من أحد يرغب في أن يراه الناس وهو يحمل حقيبة برادا ويسير بها في الشارع. وقد أبلغنتي مندوب مبيعات في شركة برادا بأن الناس يطلبون وضع مشترياتهم المترفة في أكياس لا تحمل اسم هذه الماركة الفاخرة. وقبل عام ونصف العام كان الناس يتباهون بثرواتهم.

ويتابع: أعتقد أن هذا أمر طيب، فقد وصلنا إلى مستوى مجنون من مراكمة رأس المال والاستهلاك الجشع، وأظن أن بورصة وول ستريت قد انطلقت متحررة من كل عقال، ولا أعتقد أن القائمين عليها قد تغيروا فجأة، ولكن هناك عاراً اجتماعياً يرتبط بهذا الشره من أجل الشره ذاته، وهو بالتأكيد ما يعتبر أمراً جيداً.

ولكن هل يدوم ذلك؟

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، قال الجميع إن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه من قبل، وكتب ماكنرني رواية «الحياة الطيبة« التي حاولت تصوير هذا المناخ النفسي، ولكن المرء إذا تطلع حوله في نيويورك اليوم فإنه سيشعر بأن المدينة قد عادت إلى ما كانت عليه بأسرع من عودة سوبر عارضة أزياء إلى رشاقتها بعد إجراء عملية قيصرية.

ويعقب ماكنري: لن يدوم هذا الوضع، ففي الأمد الطويل سيكون هناك ازدهار مصحوب بعدم الاكتراث بعد خمس سنوات من الآن. ولكن في الوقت الراهن على الأقل فإن بعض المذنبين تجرى مطاردتهم والبعض مفلس، وبقيتنا يعدون مكاسبهم. ومن المذهل أن نرى نيويورك وهي في حالة تفاعل محتدم، فالمتاجر مغلقة والمطاعم نصف خاوية.

وعندما يتعلق الأمر بالمال فإن ماكنرني نال نصيبه من الصعود والتردي، وهو يقول: لقد كسبت الكثير باعتباري روائياً، ولم أقم بإعالة نفسي فحسب، وإنما كذلك مجموعة من الزوجات السابقات والأبناء وأصحاب المطاعم والأندية وتجار المخدرات. ويتابع: إنني متفائل وشعاري هو عليك بالأكل والشرب. والزواج. وينبغي أن تكون رومانسياً ميؤوساً منه بحيث تتزوج أربع مرات.

ولكن هل انتهت أيام تجواله على غير هدى؟

يقول ماكنرني: إنني آمل ذلك بالتأكيد، وأنا أحب الاعتقاد بأنني أسأت التصرف بمعظم الطرق التي يمكن أن ترد على بالي، وأنني لا يتعين علي الآن تجاوز الحدود المفروضة على السلوك. ومن المؤكد أنني لم أفقد رغبتي ولا شهيتي بعد، وذلك على الرغم من أنني أقلعت عن التدخين أخيراً، ولكنني لم أترك حجراً إلا قلبته في غمار مطاردتي للذة والمتعة، وقد واجهت حوالي 17 أزمة منتصف حياة بالفعل، ولذا فإنني أشعر بالارتياح البالغ الآن.

ولكن إلى أين من هنا؟

يقول ماكنرني: إنني آمل دوماً أن الناس سيحبونني، وأخشى دائماً أن يعتقدوا أنني حيلة أدبية، وأحاول ربما بجد أكبر مما ينبغي جعل النساء يحبونني، ثم يحقق ذلك نتائج عكسية، حيث يظنون أنني ساذج.

المؤلف في سطور

ولد الكاتب الأميركي جاي ماكنرني في 13 يناير 1955 في هارتفورد بولاية كونكتكيوت الأميركية، ودرس الكتابة الإبداعية على يدي القاص والشاعر ريموند كارفر وعمل بالصحافة في مجلة «نيويوركر» وحلق إلى سماء الشهرة مع إصدار روايته الأولى «أضواء باهرة، مدينة كبيرة» عام 1984، وكتب سيناريو الفيلم المقتبس عنها الذي لعب مايكل فوكس بطولته، وتوالت أعماله لتضم خمس روايات شهيرة منها «فدية» و«قصة حياتي» و«التألق يتهاوى» و«سلوك نموذجي».

وأصدر مؤخراً مجموعته «كيف انتهى الأمر» ويضع حالياً اللمسات الأخيرة على روايته الجديدة المنتظر صدورها في سبتمبر المقبل. ويعتبره النقاد منذ منتصف الثمانينات واحداً من أبرز أبناء جيل متميز من الكتاب الأميركيين يضم أيضاً بريت إيستون إيليس، وتاما جانوفيتز، وهم يلقبون تقليدياً ب«الزمرة الأدبية».

منى مدكور