إذا كانت هناك أرضية مشتركة للقصص التي تضمها مجموعة «كيف انتهى الأمر» الصادرة حديثاً للكاتب الأميركي جاي ماكنرني، فإن هذه الأرضية ستتمثل في الكوكايين والحفلات. وبعض هذه القصص يدور حول شخصيات عند الأطراف المتقابلة من الكون.

والبعض الآخر من هذه الشخصيات يبدو كما لو كانت قد خرجت لتوها من فيلم من أفلام نوا بومباك التي تدور حول العائلات الثرية الأنانية التي تعاني من اختلال في كيمياء حياتها وعلاقاتها، الأمر الذي يجعل من المستحيل على وجه التقريب التوحد أو حتى التعاطف معها، وذلك على الرغم مما يفترض أنه مشكلات شاملة.

ونثر هذه القصص لا يمكن إلا أن يكون جيداً أياً كانت المعايير التي نختارها للحكم عليه، ويتسم السرد بقدر ملحوظ من الهدوء، وتبدو الكتابة مكبوحة الجماح ومسيطراً عليها بشكل جميل حقاً، وربما كان هذا هو على وجه الدقة ما التقطه، ماكنرني من الفترة التي درس فيها الكتابة الإبداعية على يدي الشاعر والقاص الأميركي الراحل ريموند كارفر.

وذلك على الرغم من أن هذه القصص لا تعطي الإحساس بأنها ضرورية، وهو الإحساس الذي تعطيه قصص كارفر. وقصص ماكنرتي تتميز بالإيجاز والنعومة البالغة، وتقدم ملامح موجزة من حياة الشخصيات التي تضمها، بحيث إنه يمكن للقارئ أن يقرأ القصة الواحدة في دقائق معدودة.

وبعض هذه القصص يضع يده على الحقائق الشاملة، فيما يتعلق بالعلاقات التي تحطم الأفئدة، ولكن ذلك لا يتحقق إلا في السطور الأخيرة فحسب.

يتوقف قارئ هذه المجموعة طويلاً عند قصة «دخان» التي تأخذنا إلى عالم العلاقة المتداعية التي تربط شابين، حيث تتوقف عند الإيجاز الذي يميزها والطابع غير المباشر لتناول موضوعها، حيث إن المؤلف يبدو في أفضل حالاته عندما يكتب في إيجاز نثراً مكبوح الجماح على نحو مدهش، استبعدت منه كل عناصر الاسترسال والترهل في الأداء.

في هذه القصة نتوقف بصفة خاصة عند المقطع الذي يقول فيه المؤلف: «على امتداد خمس سنوات، اضطررت هي وجدي جاك إلى العيش فوق متجر للبقالة في برودواي، بينما كان ضباط اليانكي يرقدون في فراشها ويبصقون الطباق على سجاجيدها. وقد ماتت كسيرة الفؤاد في تلك الغرف فوق محل البقالة».

في أروع قصص المجموعة، تحاول شخصيات ماكنرني ان تعجم عود بعضها البعض، لكنها تمنى بالاخفاق في ذلك في نهاية المطاف. والغرباء يصبحون فجأة على صلة حميمة ومن تربطهم صلة حميمة يفدون غرباء على حين غرة. في قصة «الملكة وأنا» يصدمنا حقاً أن عاهرة شريرة توشك خلال إحدى جولاتها على أن تلتقط أباها زبوناً لها.

وفي قصة «المسيرة» نحن على موعد مع مواجهة مذهلة بين فتاة ترفع شعار الاحتجاج في مظاهرة، وتوشك على أن تتلقى لطمة بالعصا على بطنها من شرطي كانت قد ملأت بطنه بالحساء يوماً في مطبخ للحساء في غمار أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وفي غمار اللقاء مع شخصيات ماكنرني في هذه المجموعة، نحن أيضاً على موعد مع ممثل شهير يزور زوجته السابقة في عيادة مبهرجة لإعادة التأهيل، وهو يحاول الاتصال هاتفياً بوكيله الفني، ولكنه سرعان ما يكتشف أن هذا الوكيل نفسه قد أودع في العيادة عينها. ربما لهذا لن يدهشنا أن تقول كارا وهي واحدة ممن ينتمون إلى عالم المدارس الداخلية والنوادي الريفية والعطلات في أوروبا: إن مشكلة أميركا هي أنها «سياق لها».

من المحقق أن هذا الدال ذاته سوف يفجر، على الفور تقريباً، علامات استفهام بالغة الأهمية: كيف يمكننا أن نحدد مكانة ماكنرني في الأدب الأميركي الحديث؟ أي سياق يستحقه؟

لقد كان ماكنرني نفسه صاحب حملات لا تهدأ للمساهمة في الانطلاق إلى سماء الشهرة. وقد قال ذات مرة في حوار أجري معه: «أحسب أن ناقداً غير متعاطف معي قد يقول إن نقدي لأخلاق عصري تغمره مساهمتي في ثقافة ذلك العصر».

وكان ماكنرني هو نفسه الذي كتب في مقال شهير في مجلة «اسكواير» يقول: «إننا نحيا في أزمنة سيئة ووضيعة ومتواطئة».

أياً كان الأمر، فإن من المؤكد أن ماكنرني قد أظهر عمقاً ونطاقاً مؤثرين في تطور كتاباته، على امتداد العقود الثلاثة الماضية، ولا يتردد معظم النقاد في الإشارة إلى مجموعته «كيف انتهى الأمر» باعتبارها سجلاً شاملاً لتطوره ككاتب.

وهم يشيرون في هذا الصدد إلى أن ماكنرني احتفظ بمرحه وحسه بالفكاهة جنباً إلى جنب مع حكمته ونضجه اللذين اكتسبهما بالطريقة الصعبة، فهو يشرح طموحات الشباب وتجاوزهم فيما هم يستسلمون لضوابط أواسط العمر.

وهو يعود إلى الموضوعات التي سبق له ان طرقها، وهي المخدرات والتسلق الاجتماعي والخيانة ويبدع شخصيات عاكفة على ذاتها ويمكن ان يحبها القارئ.

وهذا الإعجاب بمجموعة ماكنرني من جانب النقاد لم يمنع صحيفة «سان فرانسيسكو» «كرونايكل» في مقال نقدي للمجموعة من أن تفتح النار عليها، مشيرة إلى أن القصص قد كتبت على نحو يوحي بالتعجل والتسرع، ولم يتردد بعض الكتاب في الإعراب عن ضيقهم من ولع ماكنرني بأسماء الماركات والأسماء الكبيرة التي يوردها في مجموعته.

غير ان ذلك لا يحول دون مبادرة كتاب آخرين إلى الإشادة بالمجموعة، حيث يقول الكاتب دانا تشيراجا في مقال بصحيفة «ميامي هيرالد» عن المجموعة إنها «تعكس تمكناً من القصة القصيرة، والشخصيات التي يبدعها المؤلف قوية للغاية بحيث ان القارئ يواصل الاهتمام بها بعد ان يقلب الصفحة الأخيرة من المجموعة».

وتقول جانيت ماسلين في صحيفة «نيويورك تايمز» عن المجموعة: إن قصص ماكنرني قد ازدادت تألقاً ومراوغة وحدة وتأثيراً بمرور الوقت، بحيث ان بعض الأعمال الأخيرة أصبحت نموذجاً يتسم بالكمال للقصة القصيرة. وتشير مجلة «فانيتي فير» إلى أن «نجم ماكنرني يتوهج لامعاً كعهده أبداً».

وتقول صحيفة «إندبندنت» اللندنية إن: «القصة القصيرة هي المعيار الكامل لنثر ماكنرني المستقطر على نحو جميل والذي يصل إلى درجة مدهشة من النضج والتعقيد».

أياً كان الأمر، فإننا في هذه المجموعة من إبداع جاي ماكنرني نظل أمام نموذج مميز من كتابة أميركية جديدة تحاول أن تشق طريقها بعيداً عن الجفاف والخواء والإفلاس الذي هيمن على الأدب الأميركي منذ عدة عقود.

تقليد خاص

«أصبح التقليد الخاص بنا المتعلق بعيد الشكر هو أن نتصرف على نحو حتمي بشكل بالغ السوء. وقد تم تمرير هذا الدور حول المائدة عاماً إثر آخر، كأنه نوع من الشعلة الاحتفالية أو الفيروس الموسمي، البكاء وصرير الأسنان، كسر الزجاج، تبادل الاتهامات والسقوط على طبق البطاطا المهروسة أو السجادة.

وفي بعض الأحيان ينتقل ذلك إلى ضيوفنا، أصدقائنا، صديقاتنا، زوجاتنا كالمرض الذي يبدو أنه قابل لانتقال عدواه. كنا ثلاثة صبية فقدوا أمهم، ويمكن اعتبارهم أربعة إذا أضفنا أبي، وخمسة إذا أضفت فوستر كريل، صديق بريان، الذي فقد أمه في الوقت ذاته وقضى عيد الشكر دوماً معنا». مقتطف من مجموعة «كيف انتهى الأمر» .

الكتاب: كيف انتهى الأمر

تأليف: جاي ماكنرني

الناشر: نوف نيويورك 2009

الصفحات: 352 صفحة

القطع: المتوسط

How it eaded

Knop,n.y.2009

Jay mcinerney

352P.