يصنف عبده القادري كتابه «مؤسسة علم الفلك العربية» بأنه دراسة فلسفية في التاريخ السوسيولوجي لعلم الفلك العربي في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين اللذين شهدا تطورات كبيرة، نقلت العلوم من منطق التبرير إلى منطق الكشف والتحليل مما ساعد على فهم ظاهرة العلم. لذلك يتوقف الباحث عند مفهوم ظهر في فلسفة العلوم في النصف الثاني من القرن العشرين وهو مفهوم المؤسسة العلمية الذي يساهم في التعامل مع الظاهرة العلمية باعتبارها وحدة حضارية مترابطة الأواصر ومتحاورة الجوانب.
يتناول المؤلف دور المؤسسة العلمية في ضوء البحث المعرفي باعتبار أن مقولة العلم تمثل ظاهرة اجتماعية ما يجعلها تشكل توجها مضادا للنظرة العقلانية في تحليلها للتطور العلمي، إذ تنطوي على معنيين لفهم ظاهرة العلم الأول هو المعنى التاريخي الذي يكشف عن أصول النظريات العلمية وتطورها في مراحل التاريخ المتعاقبة، والثاني هو المعنى الاجتماعي الذي يحلل العلم كظاهرة اجتماعية. ويبين القادري أن نضج المؤسسة الفلكية العربية تجلى في نقدها للنظام البطلمي ومحاولة تطويره وتعديله كما ظهر في إعادة النظر في قياس طول الدرجة من محيط الأرض وحركة الكواكب الثابتة وحركة أوج الشمس ما دفع إلى نمو النشاط الرصدي لدى مدرسة بغداد.
كذلك يتحدث عن عقيدة التنجيم وأثرها في تطور علم الفلك لاسيما أن مؤسسة علم الفلك العربي قامت على التفاعل الجدلي بين أحكام النجوم وعلم الهيئة إذ استطاع الوعي العلمي التمييز بين علم الفلك الرياضي بكل عناصره البطلمية وعقيدة التنجيم التي ورثوها عن الفلك اليوناني.
يدرس البنية الاجتماعية لمؤسسة علم الفلك العربي عبر محورين اثنين يتناول الأول الإطار الأيديولوجي لهذا العلم كما تجلى في التموذج الديني، وفي الاستفادة من التقاليد الساسنية وفي علاقته بالنظرة الإيحائية الأيديولوجية.
ويتناول الثاني التركيب الاجتماعي لدور علماء الفلك، حيث يعتمد البحث المنهج الأكاديمي الذي يتجلى بدءا بعرض تاريخي وسياسي شامل للمرحلة التاريخية من العصر العباسي ثم ينتقل لدراسة كيفية استفادة الحضارة العربية الإسلامية في القرنين الرابع والخامس الهجريين من التقاليد الساسانية الزرادشتيه بعد أن قامت الدولة العباسية بتكريس النماذج الفارسية الزرادشتية في الحكم. ويكشف القادري عن الدور الذي لعبت الجماعات الفارسية التي قامت بأعمال الترجمة للنصوص الفارسية في تطور علم الفلك.
أما على صعيد التركيب الاجتماعي لعلماء الفلك ومكانتهم ودورهم فقد ارتبط بشكل قوي بالعلاقة التي كانت قائمة بين الدين وعلوم الأوائل، بينما كان التركيب الاجتماعي لهم يرتبط بالمتطلبات الأيديولوجية المفروضة على المؤسسة العلمية الفلكية. ويلفت القادري النظر إلى ما شهده القرنان الرابع والخامس الهجريان من مجاهرة بالمعارضة للعلوم الدنيوية وكان حقل التنجيم هو الأكثر تعبيرا عن هذا الصراع مع المؤسسة الدينية لأنه كان أكثر الحقول مخالفة لطروحاتهم حول خلود العالم.
وإذا كان تحديد الوضع الاجتماعي للتنجيم مرتبطا بتكريس النماذج الثقافية الساسانية الزرادشتيه في المجتمع الإسلامي فإن تسرب التنجيم في الحياة العامة للحكام العرب جاء مع تسرب تلك النماذج الثقافية لاسيما في عهد المنصور الذي احتضن الأيديولوجية الساسانية.
ويشير طيب تيزني في تقديمه للكتاب إلى المنهجية التي يعتمدها البحث في دراسة علم الفلك العربي في ضوء تاريخه الاجتماعي- الثقافي والسياسي، فيما يبحث القادري في الإطار المؤسساتي لعلم الفلك العربي الذي كانت البنية التنظيمية في تلك الحقبة تستند إلى أساس المشروعية غير المشكك للتفسيرات الدينية للحقيقة والكون والمجتمع مما فرض عليها بعدا وظيفيا تجلى من جانب في ترسيخ المبادئ الدينية العامة.
المؤلف في سطور
الدكتور عبده القادري أكاديمي وباحث سوسيولوجي في قضايا التراث حاصل على الدكتوراه بتاريخ وفلسفة العلوم عام 2004. شارك في مؤتمرات عديدة وله مجموعة أبحاث أهمها عبد العزيز القبيصي فلكي من القرن الرابع الهجري وعناصر التفسير السوسيولوجي لنشأة العلوم ومجتمع البحث الفلكي نموذج مدرسة بغداد.
الكتاب: مؤسسة علم الفلك العربي
تأليف: عبده القادري
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2009
الصفحات: 144 صفحة
القطع: المتوسط
مفيد نجم

