ضمن منشورات الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربيّة، صدر مؤخراً كتاب حمل عنوان (بدوي... خطاط بلاد الشام) أعده د. محمد ياسر العبار الذي رأى أن التمايز الحقيقي لهذا الخطاط جاء في الخط الفارسي، فأسلوبه مستقر على السطر، وحروفه حادة تنتمي بجمالها إلى بعض أساليب الطريقة الإيرانيّة كأسلوب عماد الحسني وصاحب قلم، إلا أن الأسلوب الإيراني أكثر توضعاً على المستوى العمودي.
ممدودة هابطة من الأعلى بشكل لافت وأكثر تدويراً. وهكذا أخذ بدوي يصطفي لنفسه بحرية الفنان الواعي دون تخرب أو تحيز، ما يراه أكثر تناسباً وتلائماً مع متطلبات العمل تارة، واللوحة تارة أخرى. الا أن الخطاط العراقي الشهير هاشم البغدادي فيقول عنه: إن بدوي الديراني كان خطاطاً كبيراً، سحره في تناسب الكتلة، لا يدانيه أي خطاط في عالمنا الكبير.
طبع شاميته على خطه، وانتقى لنفسه منهجاً تميز به عن أساليب الفرس. أما الخطاط والباحث في الفنون الإسلاميّة، وأحد تلاميذ الخطاط الكبير بدوي الديراني الأستاذ (أحمد المفتي) فيرى أن أهم ما يميز بدوي هو قواعده التي سكبها على خط التعليق، والتي امتازت بالبساطة واليسر والوضوح والتجاوز عن الغلوّ والتقعير والتنافر.
أما في خط الثلث، فيرى العبار أن بدوي فاق معاصريه وأساتذته في الشام، وقارع في تراكيبه أعظم خطاطي عصره، وبالرغم من أن الأساليب التي كانت موجودة في دمشق في زمانه أقل مما كانت عليه في تركيا والقاهرة، ومع ذلك استطاع بدوي أن يتجاوز ذلك كله، وأن يقدم روائع أعماله في الثلث الجلي بعدد كبير من الأعمال ذات التراكيب البديعة التي تنم عن عبقرية عظيمة.
كما استطاع أن يكمل تنسيق لوحته بما تحتاجه من خطوط أخرى، ويبدو أن بدوي كان شخصية تواقة إلى الكمال، لذلك كان يُعيد اللوحة وأحياناً مرات حتى يصل فيها إلى ما يصبو إليه، وليس أدل على طموحه وتطلعه من لوحته الشهيرة ذات الخمسين نوعاً من الكتابة.
كانت حروف بدوي (كما يقول د. العبار) في جلي الثلث حادة ونظيفة، وممدودة، غاية في الانسياب والدقة، وألفاته رائعة مكتملة تماماً، رغم اختلاف بعض حروفه عن المقاييس التركية. أما تشكيله وتزييناته فغاية في الإتقان والملاءمة، وهي ما يجعل أسلوبه أكثر استقراراً وجمالاً، وأنك تشتهي أن تنظر إلى غلاف خط بدوي بالثلث أو الفارسي، وإذا مررت من شوارع دمشق، ورأيت لوحة لطبيب أو محامي، فإنك ستقول دون شك أو تردد، لا يدانيه في ذلك أحد.
وفي الكوفي (كما يؤكد د. العبار) كان بدوي أستاذاً خبيراً. كتاباته الكوفية متنوعة وأصيلة، ونجدها فوق المنابر وبعض اللوحات الفنيّة والإعلانيّة. وفي خط النسخ لم يراع بدوي الأسلوب التركي، بل كان أسلوبه واضحاً، ولم يستخدم التراكيب التي تُشكّل القراءة، وفي الرقعة كان مُجيداً ومستقراً ورشيقاً، وخط بعض أعماله بالديوان الجلي.
كتب بدوي مئات اللوحات في الفارسي والثلث، وترك لأسرته إرثاً يقارب المئة لوحة، وكان زبائنه يأتون إلى محله قرب الجامع الأموي ليتلقفوا الجديد من لوحاته، وبعضهم كان من بلدان عربيّة أخرى، وأهدى بنفسه لوحة إلى الحرم النبوي الشريف، وأخرى إلى الملك عبد العزيز آل سعود والذي أكرم وفادته، وبالإضافة إلى خطوطه الكثيرة فوق محاريب المساجد، كما اشتهر بكتابة اللوحات الإعلانيّة، وكان كثير الإهداء لأصدقائه وأقاربه.
تتلمذ على يد خطاط بلاد الشام (محمد بدوي الديراني) مجموعة كبيرة وبارزة من الخطاطين السوريين والعرب منهم على سبيل المثال لا الحصر: زهير منيني، محمد زرزور، إبراهيم الرفاعي، محمود الهواري، عثمان طه، عبدو الصلاحي، عبد الرزاق قصيباتي ... وغيرهم.
المؤلف في سطور
محمد ياسر العبار خطاط وأكاديمي من سوريا، درس الاتصالات البصريّة (فنون التصميم والإعلان) في كل من دمشق والقاهرة، وهو مدرس في قسم الاتصالات البصريّة في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، ويُدرس هذا الاختصاص في عدد من الجامعات الخاصة في سوريا والأردن.
الكتاب: بدوي خطاط بلاد الشام
إعداد: د. محمد ياسر العبار
الناشر: الأمانة العامة لاحتفالية دمشق 2008
الصفحات: 96 صفحة
القطع: الكبير
د. محمود شاهين

