يعتبر التصوير الفوتوغرافي في الغرب رافداً أساسياً من روافد الفن كالموسيقى والتشكيل والأدب، ولم يدخل عالم الفن في الوطن العربي إلا حديثا وبخطوات جريئة. ومع انفتاح العالم وتواصل الحضارات بات للتصوير الفوتوغرافي حضورا بارزا في عالم الفن، لا سيما لدى الأجيال الحديثة.
وفي هذا الإطار تخصصت بعض الغاليريات في دبي بالتصوير الفوتوغرافي بهدف تثبيت مكانته على خارطة الفن في منطقة الشرق الأوسط.من الممكن رؤية الماضي عبر الحاضر، أما رؤية الحاضر عبر الماضي فمعادلة لا تتحقق إلا في عالم الفن. ومن هذا العالم استحضر القائمون على غاليري «الربع الخالي»، آليات التصوير الفوتوغرافي من القرن التاسع عشر إلى دبي لتوثيق حداثتها في الألفية الثالثة عبر مصداقية تراث التصوير في القرن التاسع عشر.في بادرة الأولى من نوعها سواء على صعيد العالم العربي أو الغربي، قامت غاليري «الربع الخالي» بتجربة فنية لا سابقة لها، حيث وثقت مشاهد من ملامح دبي العمرانية الحديثة عبر عدسة كاميرا من القرن التاسع عشر. وفي المعرض الذي نظمته في الشهر الماضي في مقرها بمركز دبي المالي، اجتمعت حداثة المدينة وعراقة تاريخ فن التصوير.
يستمد المعرض أصالته، من توثيق مرحلة زمنية ستصبح مستقبلا صفحة من إنجازات الماضي، حيث تكتسب تلك الصفحات فرادتها وقيمتها الفنية من خلال تنفيذها يدويا مرورا بكافة المراحل، ابتداء من التقاط الصور بالصندوق الأسود (الكاميرا)، إلى تركيب الكيماويات وتصنيع الورق وحفر الصورة على المعدن لنسخها لاحقا.
يستوقف الزائر لدى دخوله غاليري «الربع الخالي»، رؤيته لمجموعة من القفازات القطنية البيضاء، الموزعة هنا وهناك بين المطبوعات المصورة المعروضة على طاولة جانبية، والتي يفترض وجودها كجزء من الديكور.
وفي رحاب الصالة، التقت «مسارات» القائم على فكرة المشروع، بهدف التعرف إلى تلك التجربة الرائدة التي انطلقت من دبي لتطوف معارض ومتاحف العالم لاحقا.
قال إيلي دوميت المدير الفني والشريك، «تبلورت الفكرة في باريس لدى حواري مع أمين غاليري «بودوان لو بون» الذي تحمس لفكرة المعرض وتنفيذه بصورة مشتركة، ورشح لتنفيذه أحد أهم فنانيه وهو المصور التشيكي مارتن بيكا، الذي يعتبر بمثابة موسوعة نظرية عمليه في تاريخ التصوير الفوتوغرافي للقرن التاسع عشر بصورة خاصة، وفن التصوير من ألفه إلى يائه بصورة عامة».
وتابع، «مع رعاية كل من الأميرة السعودية ريم الفيصل المصورة الفوتوغرافية والشريك في الصالة التي لها رصيد من المشاركات في العديد من المعارض العالمية، والشريكة الإماراتية صفا الحامد، تم تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع عام 2008، من خلال دعوة المصور بيكا إلى دبي وشحن الكاميرا التي تتجاوز قيمتها 5 آلاف يورو، ثم التصوير لمدة شهر ونصف».
وقال «تمثلت المرحلة التالية في تظهير الصور، وبسبب حرارة الجو كان علينا إعادة شحن المعدات إلى فرنسا لتحميضها، وذلك بسبب تأثر التفاعلات الكيماوية بعوامل الجو. وبالتزامن مع هذه المرحلة كان يتم الإعداد لإصدار كتاب يوثق تلك الصور»، وهنا توقف دوميت عن الحوار واتجه إلى طاولة المطبوعات.
وبعد أن ارتدى قفازين أبيضين أمسك بالكتاب كقطعة نفيسة، وعاد إلى مكانه وبدأ بتقليب بعض الصفحات قبل متابعته، «وبالآلية ذاتها تم تنفيذ الكتاب، من اختيار الورق المصنع باليد وأسلوب الطباعة والأحبار إلى خياطته باليد أيضاً. كان علينا البحث عن أفضل المطابع في العالم ووقع اختيارنا على مطبعة في هولندا. أما الفترة الزمنية التي تطلبها إنجاز المشروع ككل، فهي ستة أشهر».
ولدى سؤاله إن كان تظهير تلك الصور بالطريقة القديمة سيؤثر على ديمومتها قال، «استغرق منا تثبيت الصورة على الورق الذي تم إعداده ما يقارب من ثلاثة أشهر، لتبدأ بعدها عملية التظهير والطباعة.
عمر الصور القديمة التي في المتاحف، والتي مازالت بحالة جيدة يتجاوز المائتي عام. ونحن نضمن ديمومة صور المعرض لما يتجاوز 300 عام، فقد اعتمد بيكا المعالجات الكيماوية الفوتوغرافية المستخدمة آنذاك بعد معالجة نترات الفضة، بهدف الحفاظ على المادة الضوئية للصورة لفترة أطول».
وأوضح بشأن الكاميرا، » استخدم مارتن كاميرا خشبية من القياس الكبير. والنيجاتيف المستخدم في هذه الكاميرا من الورق المشمع بقياس 40 x 50 وقد ابتكر تلك الآلية المصور الفرنسي غوستاف لو غري عام 1851.
«كان على مارتن في مرحلة التصوير، النهوض قبل الفجر وتعريض شريط الفيلم للحساسية ثم تجفيفه، للتمكن من التقاط الصور خلال اليوم وتظهيرها في المساء».
وتابع دوميت مستغرقا في تفاصيل مهنته، «في باريس سحبت الأفلام المظهرة من خلال ملامستها لورق مملح بلون الألمنيوم ليتحول بعدها إلى درجة ذهبية، هذه التأثيرات تمنح الصورة الإيحاء بالزمن التاريخي للحاضر».
بشأن تكلفة المعرض قال، «بلغت التكلفة الإجمالية للمعرض بما فيها طباعة ألف نسخة فقط من الكتاب 150 ألف يورو. والكتاب مترجم إلى ثلاث لغات، العربية والفرنسية والإنجليزية. بالطبع لم يكن لير هذا المشروع النور دون رعاية الأميرة ريم وصفا الحامد وتعاون غاليري بودوان لوبون في فرنسا».
وقال بشأن أصداء المعرض والانطباعات العامة عنه، كان التفاعل إيجابيا من قبل الزوار، خاصة من الأجانب الذين كانوا يتنافسون على اقتناء النسخة الأولى من الطبعات المحدودة، وعلى الأخص صورة «برج العرب» التي جمعت الحداثة بالماضي عبر بعد خارج الزمن الحالي. كما زار المعرض عدد من الفوتوغرافيين الكبار، إلى جانب صحافيين متخصصين في الفن من بلدان مختلفة.
«قالت لي صحافية فرنسية بعد مشاهدتها المعرض: ألا تعتقد أن هذا المشروع متقدم على ثقافة البلد؟ فأجبتها نحن في دبي، ودبي اشتهرت بتجاوز نفسها في زمن قياسي. نحن نعيش في هذه المدينة وعلينا المساهمة والمبادرة في تفعيل الحركة الفنية فيها. وقد طلبت بعض المدن المجاورة توثيق ملامحها بالطريقة نفسها».
في الختام قال عن برنامج المشروع، «شاركنا في معرض باريس فوتو، وشملت المشاركة كل من الصور ونسخ التظهير والكتاب، وحقق المعرض أصداءً إيجابية. وتجري المفاوضات حاليا بشأن عرضه في عدد من متاحف البلدان الأوروبية والولايات المتحدة».
مارتن بيكا ودبي
قال بيكا خلال زيارته دبي، تتحول المدن في صوري إلى لوحات فوتوغرافية أقرب إلى المواقع الأثرية، حيث ألغي جميع شوائب الواقع، الصخب والتلوث، وأستبدل بها الهدوء مع فرد مساحة لشاعرية المكان.
كان حلمي أن تعكس صوري عن دبي تلك التي أخذها الفنان والمصور الفرنسي غوستاف لو غري لدى زيارته مصر، فالصور التي التقطتُها عن إنشاءات المترو تشابه في مخيلتي أعمدة المعابد الأثرية في مصر. في صور دبي شيء يجمع بين الرؤيا والأزمنة المنسية عبر خطوط صارمة تحكم مشهدية الصورة، بإيحاء أقرب إلى عودة هيمنة الصحراء على المدينة.
يعتقد الكثير منا أن الشوارع الخالية وغياب الحركة، دليل على وجود مشكلة تثير القلق. هذا التأثير يحدث بسبب طول زمن كشف شريط أو فيلم التصوير. أصل في بعض الأحيان خلال التصوير إلى تعريض الفيلم للضوء لمدة 30 دقيقة، وهذا يعني استحالة تصوير الأشخاص أو أية حركة.
مارتن بيكا في سطور
* ولد مارتن بيكا في برنو في جمهورية التشيك عام 1956 ويقيم في باريس حالياً.
* حصل على شهادة بكالورويس في تاريخ تقنيات التصوير.
* صحافي ومصور منذ عام 1981.
* متعاقد مع غاليري بودوان لوبون في باريس.
* شارك في العديد من معارض التصوير الفوتوغرافي ابتداء من عام 1988
* اقتنيت أعماله من عدة متاحف في بلدان مختلفة مثل كارنافاليه في باريس .
* أصدر كتابين عن التصوير وشارك في العديد من المؤتمرات الفنية.
رشا المالح

