دعا الشاعر الفلسطيني زكريا محمد إلى دراسة علاقة المد والجذر التي كانت تجمع الراحل محمود درويش بجمهوره العريض وحالة الصراع التي كانت تحكم تلك العلاقة المثيرة للجدل.
وقال زكريا في حوار شامل له مع «مسارت» إن الشأن العام في الساحة الفلسطينية أكبر من أي شأن آخر، الأمر الذي جعله يبحث دوما عن صيغة مناسبة بين كتابة القصيدة ومواجهة دبابة الاحتلال في آن. كما كشف النقاب عن رغبته في إعادة إحياء مؤسسة «الكرمل» بغض النظر عن عدم وجود مؤسسها فيها . ما هي الإضافة التي شكلتلها تجربة الشاعر زكريا محمد الشعرية في مسيرة الشعر العربي إذا كنت تعتبر نفسك شاعرا عربيا فحسب أو الشعر العالمي إذا كنت تعتبر نفسك شاعرا أمميا ايضا؟
من الصعبوبة بمكان أن أحكم على نفسي وأقول إن تجربتي الشعرية شكلت إضافة أم لا، أو بالأحرى يصعب علي قول ذلك، لأن هذا يندرج في إطار تقييمي لنفسي ولشعري ولتجربتي، وهي مهمة عادة ما تترك للآخرين كي يقولوا إن هذا الشاعر أو ذاك قد أضاف أم لا لمن سبقه سواء كان ذلك يتعلق بالشعر القومي أو الشعر الانساني عموما. وبالتالي فإن هذا السؤال من الصعب أن اجيب عليه،لكن بوسعي القول إنني حاولت أن أقول قولا مختلفا وأن أضيف أو أصل حد الإضافة إلى ما هو موجود أصلا. بذلت أقصى جهدي، كنت مخلصا جدا للشعر ، كان سيدي الوحيد، سيدي الأول والأكبر،وخدمته بكل جوارحي وليس بوسعي إلا أن أترك للآخرين أن يقرروا إن كان هناك إضافة أم لا.سؤالنا السابق نابع من أن الشاعر زكريا محمد يعيش دوما نوع من المونولوج الداخلي بينه وبين نفسه حول هذا الموضوع..صحيح تماما، فهذا هو أحد الأسئلة المركزية التي توجه حياتي الشعرية دائما، منذ البدايات كانت تعتريني حالة من اليأس والقلق .
حينما يتعلق الأمر بالإجابة على سؤال مال الذي سأضيفه إلى هذا الكم الهائل من الشعر العربي والعالمي. كان هذا السؤال يقلقني وعندما كنت أرغب في الإضافة، فإني كنت في شوق إلى أن أضيف بأقصى ما يمكن من السرعة، كنت أقف أمام شاعر شاب يريد امتلاك القصيدة بأقصى ما يمكن من السرعة على أن تكون قصيدته متماسكة ومتمايزة بحيث يبرر وجوده، لكن يبدو لي أن الأمور ليست هكذا،فالمسألة بحاجة إلى طبخ على نار هادئة حتى تمتلك القصيدة وحتى تنتجها.هذه المسألة تحيلنا إلى سؤال أعمق حول جدوى الشعر.. هذه أيضا احدى القضايا التي كانت دائما تشكل سؤالا صعبا في حياتي الشعرية، هل للشعر جدوى؟ هل يفيد؟ هل له معنى؟هل له ثمرة؟ كانت دائما تعتريني حالة من الشك اتجاه جدوى الشعر.
أحيانا أشعر أنه له جدوى وأحيانا أخرى قد أفقد الثقة بأن له جدوى، كانت لحظات الشك تلك تجعلني أتوقف عن الكتابة للحظات ثم أعود لها ويتجدد الأمل بداخلي بشكل ما وبشكل غامض بأن للشعر معنى وبأن للشعر جدوى.
لكن لاحقا اختلفت فكرة الجدوى عندي عما كان عليه سابقا عندما كنت شابا حين كانت الجدوى ربما مرتبطة بالرغبة الهائلة عند الشباب في تغيير العالم، حينما بدا الشعر وكأنه آلة من تلك الآلات التي ستغير هذا العالم وتغيره بسرعة، لكن المرء يكتشف فيما بعد أن الشعر يغير ببطء وأن له اثر النملة على صم الصخرة، أثر بسيط يحتاج إلى وقت طويل جدا حتى يؤتي أكله، فهو أثر النمل على صم النفوس.
وهو في هذه الحالة الأثر على على النفوس المرهفة المريدة للشعر، أي أن الشعر يؤثر على النفوس الحساسة ويدفعها أحيانا إلى الفعل والتأمل والتفكر، وهنا مكن جدواه ومن هنا تأتي مقولة أن» الشعر هندسة الأرواح»، لكن ليس كل الأرواح بل بعضها،الأرواح التي تؤمن بالشعر.
في ظل ما هو معرف عن الشاعر زكريا محمد بأنه مقل وموسمي في كتابة الشعر،ثمة مزيد من الأسئلة تظهر في هذا السياق،وهي تدور حول محفزات الشعر التي تدفع الشاعر إلى الكتابة..
بالنسبة لي كانت المحفزات تختلف بين مرحلة وأخرى في مسرتي الشعرية، في السابق كان يدفعني إلى نظم الشعر حضور فيلم سينمائي ،على سبيل المثال، حيث الجو معتم ومن ثم تظهر الشاشة مضيئة وتنبثق منها الألوان فتدخلني في مناخ كان يشعرني في تلك اللحظة بالحاجة إلى كتابة الشعر حتى قبل انتهاء العرض السينمائي.
الآن اختلف الأمر،الآن تثيرني قراءة كتاب أو رواية أو قراءة التاريخ أو اسطورة من الأساطير، يثيرني أحيانا بشكل غامض مشهد من الطبيعة ويدفعي إلى كتابة الشعر، وقراءة الشعر الجميل كذلك. المحفزات تختلف حسب العمر والتجربة عدى عن أن هناك محفزات داخلية لا أدركها، لأن الكتابة الشعرية تأتيني على دفعات على خلاف آخرين يكتبون كل يوم وأنا لست منهم. قصائدي الأكمل والأنضج تأتيني على دفعات وهذا ما يبين أن هناك محفزات داخلية لا أدركها .
وهي التي تدفعني إلى كتابة الشعر، وتدفع هذه القصائد من الداخل إلى الخارج، لكني بتت أدرك أن هناك لحظات تجري فيها أشياء في داخلي تساعد على كتابة القصيدة، علما بأني أمزق أغلب ما اكتبه ولا أنشر سوى القليل مما أكتب، فأنا احاول ان أتيقن من أن هذه القصيدة جيدة والمشكلة هنا أن اليقين ليس سهلا. قد تبدو لك قصيدة كتبتها جيدة لكنك تكتشف بعد مضي خمس سنوات أنها ليست كذلك وبالتالي تقول ليتني لم أنشرها في مجموعتي. اليقين ليس ابن ساعته، اليقين قد يستغرق نضجه سنوات.
فلو خيرت الآن في نشر مجموعتي الأولى لحذفت ثلثيها، ذلك أنك تنشر ما تنشره على قاعدة الثقة النسبية في هذه اللحظة أو تلك وفي لحظات أخرى يمكن أن يتغير الموقف.
إذا كانت المحفزات الداخلية لكتابة الشعر لا تظهر إلا بين فترات زمنية متباعدة، فماذا عن المحفزات الموضوعية، هل يمكن القول أننا نجد صداها في المقال السياسي الذي يكتبه الشاعر زكريا محمد؟
لا يوجد علاقة بين ما أكتبه شعرا وما أكتبه في السياسة، بل على العكس، فأنا عندما أكتب الشعر لا أتطرق للسياسة قط وأنا اغلق الباب أمام السياسة في الشعر. أما فيما يتعلق بنشاطي السياسي فمن الممكن أن أكتبه في مقال سياسي، فضلا عن أني أتساءل أحيانا هل ما أكتبه من مقالات سياسية يؤثر على طاقتي الشعرية؟ هل يأخذ من الشحنة الشعرية وينفسها.
وهذا ما يساعد على إطالة فترة إنقطاعاتي عن الكتابة. أنا اسأل نفسي دائما: هل من الضروري أن أكتب هذه المقالات؟أم أن هذا إيذاء لقصائدي؟أنا أعيش حالة من العراك المستمر حول جدوى ما أكتب من شعر وحول خيانتي واخلاصي له. ترى هل أخون الشعر حين أكتب المقالة السياسية؟هل هو إضرار به؟
أم أنه نشاط معقول وسليم وضروري؟. هذه القضايا تتفجر في رأسي دائما، حتى أن الأمر لا يقتصر على ذلك، بل إني أتساءل عن جدوى الذهاب إلى أشكال فنية أخرى، أي أنه إذا ما كتبت رواية وأنا كتبت روايتين فعلا،هل هذا يعني إضرار بالشعر وعدم اخلاص له؟ هل هو اعتداء على حقل آخر ليس لي؟ أم أن الكتابة هي حقل واحد؟
وإذا ما سألتني أين هي لغتك؟ فإني أقول لك أنها موجودة في رواية «العين المعتمة»، وهي رواية فيها أشياء جميلة جدا لكنها تحتوي على عدد من الاشكالات، لكن إذا سألتني أين يمكن أن اقرأ لغتك الصافية؟ أقول لك في رواية «العين المعتبة»، لكن ما علاقة هذا بالشعر الذي أكتبه؟
المسألة شديدة التعقيد فيما يتعلق بموقفك من الشعر وفيما يتعلق بما يضره وما ينفعه. هل الكتابان اللين كتبتها في الميثولوجيا يعنيان هروبا من الشعر؟ أم أن ذلك يعني مزيدا من الانغماس في الشعر؟عندما أكتب في الميثولوجيا هل أهرب من الشعر؟ هل أهرب من هذه المهمة الصعبة؟ أم أنني أزداد غرقا في هذا الشعر بطريقة ملتوية قليلا؟ أنا لا أعرف ذلك، لكن هذا النوع من الأسئلة دائما مثار قلقي.
دعني أعود إلى مسألة الجدوى، لكن بطريقة أخرى. حين صدرت مجموعتك الأولى تحت عنوان» الكلمة الأخيرة»، قلت إن كلمتك الأولى هي الأخيرة، وفي ذلك تناقض يبدو صارخا..
لقد كتبت مقالا حول تجربتي الشعرية ارتباطا بعناوين مجموعاتي الشعرية، وتناولت فيها مجموعة المداخلات التي جعلتي أسمي مجموعتي الأولى «الكلمة الأخيرة» وقلت إنها جاءت في أحد جوانبها نكاية مع السائد، أي أن الشعراء عادة ما يسمون أعمالهم الأولى قصائد أولى على غرار أدونيس ومجموعته» قصائد أولى».
وهذا نوع من مناكفة السائد فأسميت مجموعتي الشعرية ألأولى» قصائد أخيرة». سبب آخر اكثر عمقا يتعلق بالجدوى، فلقد كنت أقف آنذاك أمام سؤال جدوى الشعر، وكما قلت في مقالتي التي أسميتها» الشعر والبندورة»، أنا على ثقة من أنني إذا زرعت البندورة، فإني بعد اشهر سأرى ثمرتها الحمراء الذهبية وسيكون بوسعي أن اقضمها وأتلذذ بطعمها في فمي. أي أن الجدوى من زراعة البندورة واضحة المعالم، لكن في حالة الشعر، الجدوى هوائية، لا تستطيع إلا افتراض وتكهن جدواه.
تبدو عناوين مجموعاتك الشعرية وكأنها ترصد سيرة ذاتية متكاملة. وأنت قلت ذات مرة إني لم أقصد ذلك، لكن الأمر كان كذلك فعلا، ما يحيلنا إلى عوالم الواقعية السحرية إذا أخذنا في الاعتبار مدى هذا التطابق بين الأسماء والسيرة.
هذه قضية على جانب كبير من الأهمية، وأنا على قناعة الآن بأنه بوسعنا دراسة سيرة شاعر من عناوين مجموعاتها الشعرية. أستطيع أن أدرس سيرة مرحلة شعرية من عناوين مجموعات شعرية وذلك ينطبق على شعراء المهجر وشعراء القرن العشرين ومن ثم فترة الشعر الحديث بأواخر الأربعينات، يمكنك أن تكتشف هنا نمط ما يسود في العناوين وذلك تعبيرا عن مزاج نفسي محدد، وبالتالي فإنه ليس بامكانك أن تفهم أجزاء من سيرة شاعر من خلال عناون مجموعاته فحسب .
ولكن يمكنك أن تفهم مرحلة بأكملها، على غرار شعراء المهجر أو شعراء الفترة الرومانسية في عشرينات القرن الماضي، فقد اختلف عناوين القصائد تماما حتى الكلمات والحيوانات والنباتات التي تذكر في قصائد الشاعر يمكن أن تكون وسيلة لقراءة الشاعر وقراءة مرحلة شعرية ما.
في مرحلة ما كان الشعر العربي مغرم بالبلابل والعنادل بينما لم يعد أحد يذكر ذلك في يومنا هذا، وأتت فترة كان الناس مغرمون فيها بالسنونو. المدهش في عنواوين مجموعاتك الشعرية أنها لم ترصد مرحلة في مسيرتك الشعرية، بل رصدت تجربة بكاملها..
إن بحثك عن العنوان يعكس، في نهاية المطاف، أنك تركز على حل قضايا بعينها داخل الشعر، الشاعر لا يبحث عن عنوان جميل فقط وإنما يبحث عن عنوان يعكس الصراعات التي يموج بها شعرك مثلما يعكس تحققاتك . فعندما أنجزت مجموعة «أشغال يدوية» لم أفكر حينها أن هذا العنوان كان يعكس خياري الشعري، الذي كان يتمحور حول الابتعاد عن الجدوى والدخول في الصنعة، أردت أن ابتعد وأن أنسى سؤال الجدوى، أردت أن أسأل عن الصنعة وهذا ما جعلني أطلق على تلك المجموعة «اشغال يدوية»، التي أردت التركيز فيها على الأصابع وليس على الفكر.
زكريا محمد خاض تجربة الكتابة المسرحية والرواية والنحت والرسم وكتابة قصص الأطفال والميثولوجيا وقبل كل ذلك الشعر طبعا، أين يجد زكريا محمد ذاته؟
أعتقد أن زكريا محمد إنسان وعلى الإنسان أن يوسع آفاق السنوات الخمسين أو الستين أو السبعين التي يعيشها، عليه ان يوسع حدود حياته، أن يستهلكها حتى النهاية، ان يعصر عنب حياته كله،فهذه الحياة قصيرة وكل لحظة فيها يجب أن تكون ممتلئة بالخبرة ومغمسة بالتجربة، وأنا لا أستطيع أن أكون شاعرا فقط، مع ان الشعر هو سيدي الأول وأنا أولا شاعر، لكني أريد أن أمد حدودي إلى الرواية والرسم وقصص ألأطفال والميثولوجيا، أريد أن أختبر العالم، حتى أني لا أستطيع فهم الشعر إذا لم أكن افهم بعض الأشياء التي تحيط به. كيف بامكاني أن أفهم الشعر بعيدا عن الفن التشكيلي أو السينما؟
كيف بامكاني أن أغوص في أعماق الشعر بعيدا عن الميثولوجيا؟ فالشعر اليوناني،على سبيل المثال، كله ميثولوجيا. أنا أوسع حدودي كي أوسع حدود شعري واضع كل شيء في خدمة الشعر حيث اقفز إلى خارج السياج كي أحضر للشعر شيء جديد وتجربة جديدة يستطيع أن يستزيد منها. دعنا نغامر وندخل في محور الشأن العام وموقع زكريا محمد فيه..
الشأن العام يمثل إحدى المشاكل الكبرى ولاسيما في الوضع الفلسطيني، حيث الشأن العام أكبر من أي شأن آخر، حيث الشأن العام يطلب منك خدمته دوما ، فنحن لا نعيش في بلد مستقر يمكن أن تتناسى فيه الشأن العام، في الحالة الفلسطينية الشأن العام له علاقة بحركتك وبنومك وبكل لحظة من حياتك.
وبالتالي فهو هم كبير جدا بالنسبة للشاعر، الذي لديه وقت ما عليه أن يقسمه بين الشأن العام والشأن الفني،الذي يتصف بالعمومية أيضا، حيث يتعين أن تخرج في مظاهرة ضد الاحتلال وأن تكتب شعرا. لقد حاولت إيجاد معادلة ما تجمع بين شقي هذه القضية معا وتمكنني من كتابة القصيدة ومواجهة الدبابة الإسرائيلية في الوقت نفسه.
ماذا عن تجربة الراحل محمود درويش في الشأن العام الفلسطيني؟
محمود درويش هو أحد الفلسطينيين الذي طرحت حولهم هذه القضية بكثافة وقوة، بينما ظلت حياته تتأرجح بين الشأن الشعري والشأن العام الاجتماعي السياسي. وكل شاعر يمكن أن توظف قصائده خاصة إذا كانت هذه القصائد تتعلق بالشأن العام وذلك على عكس قصيدة الحب التي يصعب توظيفها في هذا الاتجاه أو ذاك، لكن عندما تكتب قصيدة وطنية وعن مواجهة الاحتلال فذلك ممكن.
محمود درويش كان حذرا ولذلك لم يقبل مناصب طرحت عليه والآخرون يتلهفون عليها تلهفا، لكنه رفضها. صحيح أنه كان عضو لجنة تنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، لكنه في الحقيقة لم يكن مؤثرا في داخلها، ورغم أن درويش كان له آراؤه، إلا انه كان يستغل جل وقته في شعره وكان يكتب كل يوم وبصورة منتظمة. السؤال هو: هل أنت تؤيد طريقة محمود درويش في الشعر أم لا؟
وهل تتوافق تلك الطريقة مع مزاجك أم لا؟ وهل توافق على مدى تورط شعره، في البدايات على الأقل، بالقضايا العامة بشدة؟ هذا هو السؤال. هل خدم هذا النوع من الشعر تجربة محمود درويش أم قلص منها؟ هذا سؤال مطروح.
محمود كان في حلف وصراع مع جمهوره العريض جدا. أحيانا كان جمهوره يطالبه ويسحبهه إلى الأسفل ويريد كلاما مفهوما وواضحا وصريحا، بينما كان محمود يعارض ذلك، لكنه كان يقدم أحيانا بعض التنازلات لجمهوره من أجل أن يرتقي به بضع درجات إلى الأعلى. كان هناك جدل شديد الأهمية ولم يدرس حتى الآن رغم أنه جدير بذلك بين الشاعر وجمهوره. وهذه المسألة ليست مطروحة علينا نحن الشعراء الذين لا نحظى بشعبية كبيرة على غرار محمود درويش.
وهذا يعني أننا نستطيع أن نتحرك بحرية أكبر، لكن وضع درويش مختلف فلقد كان ملايين الناس يلتفون حوله وكان يتعين عليه دائما أن يكون في جدل وصراع معهم. أي أن كل طرف من طرفي هذه المعادلة كان يحاول أن يشد الثاني إلى حلبته حتى يتوصلا إلى صيغة مقبولة من قبل الطرفين ومحمود رفع من ذوق المواطن العربي الشعري عموما، لكنه دفع ثمنا من أجل ذلك، فلقد كان مضطرا لمراعات هذا المناخ.
هل العدد الأخير من مجملة «الكرمل»، التي كنت سكرتير تحريرها، الذي صدر بعيد رحيل محمود درويش هو المآل الأخير لهذه المطبوعة الثقافية العريقة؟
آمل ألا يكون المآل الأخير وهناك أفكار تطرح حولها، لكن محمود درويش تعب من متابعتها ومن مشاكلها المالية فأوقفها قبل وفاته بسنوات، فلقد أصبحت متعبة له ورغب أن يركز على شعره خاصة بعد أن اجهد جسديا، فكان مضطرا لإيقافها. السؤال هو: هل نبقيها كما هي؟
هل نعيد انتاجها؟ بكل الأحوال إذا عادت الكرمل فلن تكون تحت اشراف محمود درويش، ستكون كرمل يقودها آخرون،وبالتالي لن يكون لها علاقة مباشرة بمحمود درويش، ستكون مشروع غير مشروع محمود درويش، مؤسسة الكرمل هي التي ستبقى، ومن غير المنطقي أن ننهيها ،بعد كل هذا التاريخ ،فما دامت هي مؤسسة فيجب أن تستمر. لا يجب أن نقتل مؤسساتنا، يجب أن تسمتر في الحياة إلى ما لا نهاية. من هذه الزاوية أنا اؤيد أن تستعاد الكرمل كمؤسسة وأن تستمر في العطاء بغض النظر عن أن محمود درويش لن يكون فيها.
كيف تنظر إلى الاشكالية التي أعقبت صدور ديوان محمود درويش» لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، الذي صدر بعد وفاته وتحديدا لجهة الأخطاء اللغوية التي وردت فيه؟
لا أريد الخوض في هذا الموضوع بعد كل هذا الجدل الذي دار حوله،لكن هناك من كان يفضل تركه لفترة أطول من الزمن وخاصة أن تلك القصائد فيها ما لم يرغب درويش في نشره، كان لديه قصائد لا يريد نشرها أو بالأحرى كان مترددا في نشرها. ربما كان يتعين علينا الانتظار لمدة سنوات حتى تخمد الأمور ويصبح الأمر يتعلق بنشر شيء يتعلق بتاريخ محمود درويش وليس بنشر ديوان بدا وكأنه هو من أراد نشره ونحن قمنا بتنفيذ الوصية.
لكن ماذا عن اشكالية الأخطاء التي وردت في الديوان الصادر عن دار الريس؟
أعتقد أنها ليست أخطاء محمود درويش، كما اعتقد أن حلقة الأشخاص التي أشرفت على ذلك كان يجب أن تكون اوسع من ذلك ومهتمة بالشعر أكثر، لكن تلك الحلقة كانت ضيقة وغير مكونة من الشعراء اصلا. على جميع ألحوال لم تحصل كارثة وتلك الأخطاء يمكن تلافيها في الطبعة المقبلة.
زكريا محمد في سطور
ولد زكريا محمد في ضواحي نابلس عام 1951 ودرس الأدب العربي في جامعة بغداد وبعد أن أتم دراسته عمل صحفيا حرا في بيروت وعمان ودمشق وكان رئيس تحرير العديد من المجلات الثقافية والسياسة والأدبية كما كان سكرتير تحرير مجلة «الكرمل»، التي أسسها الراحل محمود درويش. يقيم حاليا في رام الله ويعمل صحافيا ومحررا ومدربا على الكتابة الابداعية. كتب الرواية والمسرح وقصص الأطفال والشعر مثلما أبدع في الرسم والنحت.
حوار باسل ابو حمده



