القضايا الراسخة في الروح تمثل تركيبا لليومي من الشحنات التعبيرية عند الإنسان، فما بالك بالقضايا التي هي أكثر سخونة في الواقع، تلك الأفعال أو الأحداث أو الوقائع الأشد درامية من خيال الكاتب أو الفنان والذي يمثل استثناءً في الحياة.
وهكذا هي قضية القدس، ربما من عاش في فترات متعاقبة منذ احتلال فلسطين وتهجير أهلها عام 1948 من القرن الماضي مرورا بنكسة يونيو 67 وصولاً إلى نصر أكتوبر 73 والمعاهدات والمصالحات والاتفاقات الجانبية التي شرذمت العرب وألقت القضية الفلسطينية في غياهب الجب، والمطبلين والمزمرين والذين باعوا الأرض طواعية والذين سلموا القدس عروس عروبتنا في 1980. حيث الرمق الأخير في القدس الشرقية، لقمة سائغة لم تخلف خسائر للصهاينة الذين نجحوا في العزف على التفرقة والعنف بين أبناء الجلدة الواحدة، كل هذا التاريخ لم يشفع له التاريخ التحرري الذي قاده أبطالنا العظام في الماضي حيث المواجهة وجها لوجه وليس ما جرى وما يجري تحت الطاولة من تنازلات أكلت الأخضر واليابس.
كانت الثقافة العربية في مجالات الشعر والرواية والقصة القصيرة ووسائل التعبير الفنية في التشكيل والموسيقى والمسرح كلها تنتمي لفعل التعبئة ضد العدو المتربص بأهلنا في فلسطين بل في قدسنا التي ظلت رمزا للروح التحررية العربية بل هي هاجس يسكننا، ثم صارت فيما بعد خبراً نسمعه أو نشاهده عبر فضائيات راحت تروج للقبول بالأمر الواقع من أن سيف صلاح الدين أصابه الصدأ أو وباء أشد وطأة من أنفلونزا الخنازير والطيور والقادم ربما يشمل قططاً وكلاباً..لم يشفع التاريخ المجيد الذي كنا نتغنى فيه على المسرح ومن خلال عروض كثيرة شكلت ثقلاً واضح الملامح في المكتبة المسرحية العربية والتي اكتظت بنصوص مسرحية ودراسات موسعة عن (مسرح المقاومة) والتي استلهمت الفعل والأحداث التاريخية أو توظيف الفعل التاريخي في استنهاض الهمة وتحريك الجانب التعبوي والعاطفي، أنها نصوص بحثت في جوانب بطولية الإنسان العربي في الماضي ولم تسجل إلا أحداثا يسيرة من الواقع لأنا أمة تاريخ ويرعبنا الحاضر.
وربما كانت أعمال (أحمد علي باكثير) هي ناقوس الخطر في المسرح العربي فقد كتب أولى مسرحياته والتي تتحدث عن القضية الفلسطينية في عام 1944 ثم كتب مسرحيات «شيلوك الجديد»، و«إله إسرائيل»، و«شعب الله المختار»، وبهذا أستحق باكثير لقب رائد المسرح المقاوم العربي، رافقه في نفس المجرى عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيات «النسر الأحمر» و«مأساة جميلة»، و«الفتى مهران»، ثم ألفريد فرج في «سليمان الحلبي» و«النار والزيتون».
وقدم المسرحي الفلسطيني معين بسيسو أيضا في أوائل السبعينيات مسرحية «ثورة الزنج»، وفيها قراءة معاصرة وتناص بين مقاومة عبد الله بن محمد وزنج البصرة والمقاومة الفلسطينية المعاصرة ثم كتب مسرحية «شمشون ودليلة» ومحمود دياب في باب الفتوح وأجتمع العرب في مسرحية يتيمة (وا قدساه) ثم تفرقوا بعدها. ثم تراجع «مسرح المقاومة» بعد حالة التشتت التي أصابت العرب بعد اتفاقية كامب ديفيد، وغطى مسرح المقاومة المسرح التجاري من بوابة (أنسى همومك يا عم).
ولم تتوقف عجلة المسرح الذي شغلته القضية الفلسطينية في أعمال الكثير من المسرحيين من المحيط إلى الخليج ومنها تجارب كتبها قاسم محمد وعادل كاظم في العراق، وسعد الله ونوس ووليد إخلاصي ومحمد الماغوط وممدوح عدوان وكتاب سوريون آخرون، وتجارب تونسية لنور الدين الورغي عن (محمد الدرة) والفاضل الجعايبي.
كما قدمت جليلة بكار ومن إخراجه مسرحية مونودراما (مذكرات عائدة) وهناك تجارب تخصصت بالقضية ومنها أعمال المخرج جواد الأسدي حينما قدم عديد من المسرحيات التي مثلت المسرح الوطني الفلسطيني، ولنا تجارب في ما يصطلح عليه الخط الأخضر في فلسطين أو تلك التجارب في المسرح المقدسي في القدس أو تجارب جورج إبراهيم وزملاءه، ومسرحيات مسرح القصبة في رام الله.
وكان شاعر القضية محمود درويش أكثر حظاً من المسرحين فقد كان شعره مادة أساسية لإدامة عجلة المسرح الذي يتناول القضية الفلسطينية ونحن منذ بداياتنا قدمنا قصائد درويش مسرحيا (سجل أنا عربي) وليس آخراً المسرحية الشعرية (جدارية) القي قدمت احتفاء بالرائع درويش في أيام قرطاج عام 2007م أخرجها نزار زعبي وقدمها المسرح الوطني الفلسطيني.
وقد تسنى لنا مشاهدات عدة للمسرح وفي أشكاله المتنوعة فمن المسرحية التقليدية إلى مسرح الشارع فمسرح الدمى والطفل والمونودراما والبانتومايم والأوبريت والمسرحية الغنائية والاستعراضية، وقد حفلت المدارس والجامعات بعروض كثيرة تشكل القاسم المشترك لها مسرحيات عن القضية الفلسطينية، ومَنْ من المسرحيين لم يشارك في بداياته بمسرحية عن فلسطين والقدس.
لا أريد في هذه المقدمة التاريخية الابتعاد عن ما يجب الحديث عنه وهو قضية القدس والتقنيات في مسرح الشباب، فنحن نتحدث دوما عن الابتكار والذي يشكل المغايرة في الأسلوب والذي ينعكس بالتالي على وحدة الموضوع أو الخلاصة (الفكرة).
وإذا ما تحدثنا عن تقتنية النص المسرحي والمتعلق بمسرح الشباب وقضية القدس، مع تحفظنا على كلمة «التقنية» لأنا نجد أن التقنية ربما تأخذنا إلى جانب حسابي رياضي، وهذا يشكل تقاطع مهم مع المسرح لأن المسرح يعتمد في أجزاء متفرقة فيه على التقنية ولا تحكمه تقنية أو قانون، وإنما على الرؤى المنفتحة.
فإذاً النصوص المسرحية التي ربما تأتي كنتاج إنفعالي عاطفي ينسجم مع روحية الشباب في التعاطي مع القضايا التي تشكل هاجساً خفيا في الذات يحركها الجانب الغاضب الذي يتصف به الشباب، فيكون النص المسرحي حافلاً بالعبارات الإنشائية .
والتي تقترب من محاولات شعرية تدغدغ الحس الثوري الذي يتصف به الشباب والطلبة في مراحل الثانوية والجامعات حسب وصف الفيلسوف (هربرت ماركوز) في كتابه (البعد الواحد) والذي يتحدث فيه عن مفهوم الثورة في عقول ونفوس الطلبة، إن الفعل الذي يحرك النص والفكرة الأساس يظل مبنياً على الانطباع العاطفي، ويستمر فيه لأن الفعل الذي يكون محور الأحداث (قضية القدس) .
والتي تمثل على الدوام في ذهننا القضية الفلسطينية، أيضاً يكتب عنها بعيداً عن فعل المعايشة الحقيقية وهذا يجعل الكاتب يطلق لخياله العنان في كتابة رؤيته الذاتية بعيدا عن موضوعية الموضوع، أما النصوص التي تكتب من قلب الحدث كما في مسرح الرواة المقدسية في مسرحية (أبو خليل) فهي تتحدث عن فكرة ضياع الأرض عبر فعل روائي سردي يظل ملتبساً في ذهن المتلقي لأن الشخصية الواحدة (الراوي) تأخذنا من قدسية العمل إلى فكرة تسلية الرواية.
وفي مسرحية أخرى بعنوان (شارع فساد الدين) يذهب المؤلف والمخرج إسماعيل الدباغ إلى ما يدفعه في مسرح الحياة الفلسطينية اليومية وتحديداً الشارع الشهير شارع صلاح الدين بأن «المسرح ليست فقط نافذة للهو والترفيه، بل هي فضاءٌ واسع لإعادة رسم الواقع بصيغ إبداعية حضارية وإنسانية متقدمة، يمد لسان السخرية والإدانة لأعداء الإنسان، ويشيّد حياة أفضل تحترم إنسانية وحرية الفرد..
ويبقى حب الناس للمسرح أزلياً سرمدياً، لأن في داخل كل واحد منا ممثلاً على مسرح الحياة، فكلنا ممثلون وفق هذا المنطق، «وأهدى الدباغ هذا العمل إلى «القدس الجميلة، التي تحاصرها الأمراض، علها تكون لمسة وفاء وعرفاناً لما تقدمه القدس لأبنائها». يؤكد في هذا العرض على البحث في اليومي من التفاصيل وهو إجراء طبيعي يقود المؤلف.
والذي بالتأكيد لا تستهويه الغنائية بالقضية عند الكثير ممن يتناول الموضوع عن بعد، إذا فإن فعل الحدث المؤثر والمجسد يستفز المتلقي عندما يكون مجسداً على المسرح، أغلب النصوص التي تكتب تأتي منفعلة بالحدث، وتبتعد عن التحليل العقلي والمنطقي في الإدانة، ونحن لسنا بحاجة إلى نصوص تدين وتشجب، بل نصوص على قدر من المنطقية في التحليل والإقناع.
ولذا تقودنا بديهية أن النص هو الذي يشكل دافعية العرض المسرحي، ولهذا تكمن خطورة النصوص والتي تقرأ وجهة نظر واحدة، وتبتعد عن توريط العدو بذكائنا، مثلما فعل أول سلالة الكتاب ففي المسرح الإغريقي العتيد (أسخيلوس) عندما كتب مسرحية الفرس التي تدور أحداثها على لسان أعداء اليونان آنذاك (الفرس).
حيث أعترف على ألسنة أبطاله بقوة اليونانيين، نحن لسنا مع نصوص تكتب وفق الرؤى الأسخيلية بل نحتاج لنبش المستفز من الأفعال والتي أصبحت تفعل فعل المُخدر في الجسد العربي بقناعة من أن ما يجري هو أصعب من طاقتنا في التحول، النصوص تحتاج إلى صدمة، وليس إلى ترويج الوطنية بزوال المؤثر، في مسرحية شارع فساد الدين كان الدباغ ينتقد وبشدة وضعاً مترديا، يتفشى ويتمشى في الجسد المقدسي.
وبعضهم حرّم هذا لقدسية المكان، بينما أيد البعض الدباغ وما فعل، من منطق من فمك أدينك، عندما تكون قضية القدس خطاً أحمراً في أذهان بعض المتخلفين الذين يشينون فعل الغوص في تفاصيل الحقيقة، فإن ذلك مشاركة فعلية في الضربة القاضية للقضية، وعندما لا نسمح لأي متطرف أو غير متطرف من اليهود أن يدنس المسجد الأقصى.
وهناك مَنْ لا يفرق بينه وبين قبة الصخرة، فإننا في نفس الوقت نشكك في نوايا الذين ينظرون لقضية القدس من قلب مثقوب، ويبحثون في مناقشة تشتت الفصائل الفلسطينية، حيث نجح العدو فيها بإلقاء الكرة في الملعب السياسي الفلسطيني، لتهميش قضية القدس، في الوقت الذي يجب أن نكون صريحين في أن ما يجري هو فعل درامي أشد إيلاما بالجرح من كل النصوص التي كتبت عن فلسطين، نحتاج إلى نصوص تدين وتفعل فعل العطار الذي يجب أن يصلح ما أفسده الدهر، لذا تكمن خطورة التعاطي مع القضية خصوصاً في التأسيس.
وأقصد في المسرح المدرسي ومسرح الطفل وحتى المسرح الجامعي أو ما يكتبه الشباب الذين نعول عليهم في أن تستأثر قضية القدس جل ما يفكرون به وإن نسوا القدس في خضم مشروعات تروج لها مبتكرات الدراما والتجريب الحديث في المسرح الذي يعتبر كل ما يتعلق بقضية القدس أصبح قديما وغير صالح للاستعمال.
تشكيل الفضاء المسرحي.. القدس القضية
ربما يبحث الكثير من المسرحين الشباب عن وسائل لإنعاش ذاكرتهم التي انمحت منها قضية القدس، ولأجل البحث في تشكيل فضاء ملائم للتجربة لابد لنا من معرفة أن من يعيش في التجربة يسهل عليه خلق مفردات تعبيرية، ومن يعمل بعين الراصد من خلال القراءة والخبر ينعكس على كل تقنياته في العرض، لذا لجأ المسرح إلى أشكال متعددة في العرض، بعضها سعى للعلبة الإيطالية وفيها شكل الفضاء الذي يجلب فعل التركيز في محاولة لتقريب الأجواء في الديكور والإضاءة والموسيقى والمؤثرات وبالتأكيد في التمثيل أيضاً.
في بعض العروض التي شاهدناها، وضفت فضاءات متنوعة ومنها الفضاءات المفتوحة، ولأن قضية القدس ترتبط بضمير الناس ممن هم في الشارع، لذا ومن منطلق التفاعل مع المسرح السياسي الذي أفرزته الحركات الثورية في الحربين العالميتين، ولأجل النزول للمشاهد في أماكن تواجده أبتكر الشباب في الوطن العربي أشكالا للعرض منها:
1 ـ مسرح الشارع: حيث تقدم العروض المسرحية في الساحات العامة والتجمعات البشرية وتقدم المسرحيات بأسلوب الحلقة وهو تجمع المشاهدين حول قادة العرض المسرحي، ولذا يكون العرض هنا معتمداً على تقنيات بسيطة توفرها الصدفة في الإضاءة ولا تحتاج إلى ديكورات، بل تكتفي بالطاقات البشرية في تقديم العرض.
ويكون العرض قد أستند إلى أسلوب الفرجة في العرض أو كما يتمنطق البعض باسم المسرح الفرجوي والذي تأسس منذ عربة ثسبس اليوناني ونظّرَ له فيما بعد البعض كما جاء في مسرح بسكاتور السياسي أو جان فيلار الفرنسي ونظرية المسرح التعليمي والملحمي عند الألماني برتولد برشت، وصولا للمسرح الاحتفالي الذي أعتمده مجموعة من المسرحيين الكبار في الوطن العربي.
2 ـ مسرح المقهى: وهي تجارب حولت فضاء المقاهي الكسولة إلى عرض مسرحي يستفز، حيث شهد المد الثوري تفعيل تلك الأماكن من اجل أن لا يظل الشباب الذي يعاني البطالة في الوطن العربي ممسوخ الذاكرة في قضايا مصيرية مثل القدس.
3 ـ مسرح في المصانع: زارت الفرق الجوالة المصانع والمعامل الإنتاجية لتقديم عروض مسرحية، تأخذ الفعل التعبوي رصيداً لها.
4 ـ مسرح الطفل: يبقى مسرح الطفل هو المجال الخصب لتأسيس حراك مسرحي متطور، ورغم خطورته ولكن الخوض في غماره يفتح أفق للشباب المسرحي في تدعيم خبراتهم والوصول إلى أساليب متنوعة تتشكل مع الطفولة الأولى، بل يؤسس لجمهور يتمتع بعقلانية تركز فكرة القضية بأسلوب البناء الفكري الذي يعتمد مراحل كأنها اللبنة الأولى في الأساس.
الممثل والأداء والقدس
لا ينبغي التفكير بأن الممثل الذي نحتاجه في مسرحيات تعالج قضية القدس، يجب أن يكون بمواصفات خاصة، بل أن الجهد الإنساني يتقارب كثيراً في الأداء التعبيري للممثل، ولكنا هنا نعتقد أن الممثل في مثل هذه العروض يحتاج إلى بحث استثنائي، لأننا عانينا من التعرف للعدو، بسبب الممنوع، من نظرية أنك إذا ما تقربت حتى ولو بالسؤال عن (إسرائيلي) فإنك ستتهم بالجاسوسية.
لذا نعمل على أسئلة كثيرة في الإعداد لتقديم شخصياتهم.. من هو العدو؟ (الشخصية التي نمثلها) ؟ وكم نحتاج لدراسة الشخصية وفق المصادر المتوفرة؟ وما هي مواصفاته؟ وكيف نستقصي دواخله؟
يلزمنا بحث دائم عن أشكال وعادات وتقاليد من نجسدهم على المسرح، وإلا فإنا سندخل في نمطية الشخصية اليهودية التي تعرفنا عليها من خلال العروض والأفلام والمسلسلات التقليدية، هذه النمطية تفقدنا الصدق في الأداء.. لأنك ما أن تقول لممثل شخصيتك يهودي حتى يتبادر إلى ذهنه شخصية شايلوك الشكسبيرية، بحيث ينعكس الموقف الشخصي من هذه الشخصية اليهودية على الأداء..
وإذا ما يلج عالم شخصية الفلسطيني حتى نجده يؤدي بمثالية الثوري الذي ربما أيضاّ يفسد علينا فكرة الأداء حينما يقدم شخصية نمطية كنا قد تعرفنا عليها سابقاً، وإذا نحتاج إلى نص مسرحي يدعم عاطفة الممثل الشاب ويحد من طاقته الإضافية في المبالغة وتردي الحس التعبيري الفني للشخصية..
يجب أن تدرس الشخصية على أنها طبيعية يحملها الشاب جزء من حيويته محافظاً على حيوية الشخصية وأن تأخذ التلقائية دورها في فن الممثل، الذي تتلون شخصيته في الأداء بعيداً عن اللون الواحد المترسب في ذاكرته المنفعلة.
تأثيرات الاتكاء على لغة السينوغرافيا
رائدة خليل مخرجة مسرحية فلسطينية شابة، قدمت عرضا موازياً للانتفاضة الفلسطينية الثانية في مهرجان أيام عمان المسرحي، كان الجمهور يدخل في أجواء المسرحية من خلال توزيع الحجر على الجمهور من قبل الممثلين، وبهذا تشرك المتفرج بفعل الحجر وتمرره في نفق صنعته من القماش الأسود وزعت داخلة ممثلين غطاهم التراب.
وكأنك تسأل نفسك على من أرمي الحجر على عدو ألفنا صورة أبطال الحجارة العزل وهم يكافحونه بأجسادهم العارية من أجل التحرر أم نلقيها على أنفسنا ونحن محاطين بسلبية المتفرج البسيط، أسئلة كثيرة فرخت بؤر درامية ونحن نلج عالم سينوغرافيا أحنى ظهورنا ونحن نمر، أنها قدمت عرضاً مبتكراً ومغاير الهدف منه الشعور بأهمية الانتفاضة كفعل ناقل لوجود آخر مبني على قمع الذات والتفكير بأناس هم بعيدون عنا ولكنا قريبون من جلد ذاتنا فيهم، هنا يلجأ المخرج الذي يتعامل مع فكرة القضية على أنها بتميزها تفرض عليك وسائل تعبير تستفز.
إن البحث عن أساليب متجددة تشعرنا بأهمية القضية وثقلها الفكري، وإن اللجوء لأساليب مستعارة في أن نختزل ديكور مسرحية تتحدث عن فلسطين بأسلاك شائكة أو قطع ديكورية تحاول ملامسة معمار شائع هناك بالتأكيد سيلقي بظلاله الثقيلة على العرض.ولنا في تجربة مسرح عشتار الذي قدم مسرحية (أنا القدس) والتي ألفها وأخرجها ناصر عمر ومثل فيها إيمان عون ومحمد عيد ورشا جهشان وقدمت في مهرجان المسرح العربي الأول في القاهرة ماي 2009 م.
المسرحية تسرد تاريخ مدينة القدس بين روايتين (فلسطينية وصهيونية) وترتبط بامرأة تروي تاريخ اغتصابها، حيث استخدمت منظومة جمالية فنية اعتمدت على كل الفنون، الموسيقى والرقص والفن التشكيلي وفنون السيرك والتمثيل والأدب وفنون السينما والفيديو وهذا الاستيعاب لجميع الفنون الحديثة مثل الرقص والسيرك والموسيقى، يمثل خطوة في نقل الخطاب المسرحي من المباشرة إلى فعل جماليات العرض، وإن كان عرض (أنا القدس) للمحترفين، إلا أنه بوابة لتسخير إمكانات الشباب في وضع رؤية متطورة للعرض المسرحي الذي يليق بالقدس كقضية مقدسة في الحياة عندنا.
نجد أن الدقة التاريخية في استخدام الأزياء والديكور وما نحتاجه من متممات لتقديم عرض مسرحي يوازي العروض المبدعة التي نشاهدها في العالم وبوعي يجعل من الموسيقى ثيمة داعمة للعرض وليس تكميل تطريبي.
* من أوراق الندوة الفكرية المصاحبة للدورة الثالثة لمهرجان دبي لمسرح الشباب»
أساليب مستعارة
أن البحث عن أساليب متجددة تشعرنا بأهمية القضية وثقلها الفكري، وإن اللجوء لأساليب مستعارة في أن نختزل ديكور مسرحية تتحدث عن فلسطين بأسلاك شائكة أو قطع ديكورية تحاول ملامسة معمار شائع هناك بالتأكيد سيلقي بظلاله الثقيلة على العرض.
محمود أبو العباس



