هو ذا الدفتر: آثارنا الخطية المهجورة، أطلال إقاماتنا المتنقلة ولو أننا في ذات المكان، حيوات أعمارنا ومفارقات التعبير في الكتابة طي الدفتر، وتدرّجنا في صنعة الخط، وقد تراجع إلى الوراء، أمام جبروت الكومبيوتر.

يحتفظ الدفتر، أي دفتر، بميزة استثنائية، وهي قابليته لتلقّي أثر الكتابة كما هو، ثمة إخلاص في الاستجابة الحيادية، وهو منبسط أو شبه مفتوح، أو مغلَق تبعاً لهوى صاحبه أو مقتنيه.

إن الورق الذي يشكّل خاصيته هو الذي يبقي الآخر على تماس معه، وهو المتعدد كما أنه المتنوع في أشكاله وألوانه وصور إخراجه، تعبيراً عن أهواء المقتني وطبيعته التذوقية، إنه دفترنا اليومي ، خاصتنا.

لا يرد الدفتر طلباً للمتعامل معه مهما كان خطه أو بدا سوءاً أو رداءة. إن قدرته في الاحتفاظ بالأثر المختلف، هي التي تضفي عليه قيمة تاريخية وسحرية بالمقابل، فما يتناثر في فضائه الورقي ليس أكثر من تذويقات الكاتب المتعلم أو الهاوي أو المحترف، ليس أكثر من تعابيره التي تنشد التدوين في لحظة ما، وهي تتوسل أبدية ما.

وهي تفاوض عمراً لا يتوقف بآناته واستبقائه من خلال المأثور عنه في بعض منه، وهو إزاء موقف أو حالة، قبل أن تفوته فرصة حيازتها إيداعاً، وهو في حجمه الصغير إنما الضامن للاحتفاظ بالمسطور كتابياً فيه.

إنها فلتات إبداعاتنا الخاصة، خيالاتنا الطارئة والبارعة، عوالمنا التي تكون مفارِقة لنا وتنزل في مقرَّات شعورنا ووعينا في لحظة، منتظرة تثبيتها قبل أن تفلت منا، وهي في مظهرها اللعوب، وهي في مشهد الغواية الخاصة جداً. غوايتنا فيما لا نستطيع رده أو التخلص منه أو وضع حد له، كونها فاعلة فينا، أي لأنها في الأساس متأصلة فينا، وإلا لما كان هناك اتصال بالعالم وإشراقه إبداع.

على مقاعد الدراسة الأولى، في الدفتر الأول الذي شهد انطلاقتنا الأولى في سباقنا الذي لا يهدأ مع أنفسنا وبها، ومع الآخرين والعالم والزمن، ومع اللامتوقع طالما أننا أحياء نثبت ودائعنا، كلٌّ بحسب قواه في الكتابة وطرائقها، بحسب طبيعة تأثره بمحيطه، يتشكل رصيدنا من الكلمات التي تكون لها معان ومغان تبعاً لحساسيتنا وأساليبنا في استيعاب عالمنا في تنوع حقائقه، رصيدنا:

ودائعنا وهي تمثّل أنفاسنا التي تفسَّر وتؤوَّل، ما يبقى دائم التجدد في رحاب علاقاتنا، فما يسطَّر فيه يشير إلينا، وكأننا في كل عبارة نوقّع على اعتراف ذاتي، عما نحن عليه أو بلغناه مما نريد أو لم نستطع بلوغه، اعتراف بتاريخ يتجاوزنا لأننا بذلك نمنح فرصاً لآخرين في أن يتعرفوا إلينا، أن يراجعونا وقد أصبحنا في ذمة دفاترنا المتراكمة.

حيث تطبِق هذه أعينها، منتظرة اليد التي تهدهدها أو توقظها لتنتفض أو ترتعش بين أيد دون أخرى، أو تفرش لونها أمام الداخل بوقار في حرمة كل منها، فليس من دفتر إلا وفيه سر أو بعض سر أو أكثر يعنينا.

ولا متعة مؤثّرة لسر إن لم يراع في منشأه وحقيقته، ليكون استظهاره أو مكاشفته تعميقاً لسر واحد يعني أياً منا ولا يتوقف عليه أو عنده، وبه وفيه ما يبقينا طوع حرمة المشترك في الدفاتر مجتمعة، وخصوصاً حين تمثّل أسماء لم تعد عادية، وليس من دفتر سطّر فيه فيه حرفٌ إلا وكان أمين سر روح صاحبه، اسمه انعطافاً ما نحوه للتفاعل معه، حيث إننا نهب الدفاتر الكثير مما نعجز عن النطق به، عن الإتيان به وتأريخه دونها بما أنها الحاضرة باستمرار، كما هو وضع الحامل للدفتر( دفتر صغير في فعله الكبير).

ربما هكذا يمكن النظر في جماليات الدفتر، والتغيرات التي طرأت عليه اسماً وطبيعة تعامل، وفيما كان يوفّره لنا خدمياً وحتى الآن، إنها الخدمات التي تحمل إمضاءتنا، ما لا نستطيع التنكر له عبر أسلوب كل منا في تسطير الحرف، في كتابة ملاحظة، أو عبارة حلَّقت في فضاء خيالنا، أو صورة برقت داخلنا واستوجبت تأريخاً لها.

هو ذا الدفتر: آثارنا الخطية المهجورة، أطلال إقامتنا المتنقلة ولو أننا في ذات المكان، حيوات أعمارنا ومفارقات التعبير في الكتابة طي الدفتر، وتدرّجنا في صنعة الخط، وقد تراجع إلى الوراء، أمام جبروت الكومبيوتر.

ثمة تضاد كامل بين الدفتر الذي يمتلك القدرة على إبراز أي تحول في ذواتنا فكرياً ونفسياً، لا يمكن تكذيبه، والكومبيوتر الذي يمتلك القدرة بالمقابل في محو أي شعور بالأصالة الذاتية والاختلاف، عبر طرق كتابة مقرَّرة.

إنها لحظة التدوين الأخرى، في فسحة تاريخية لا أحد يعلم أين تتوضع حدودها، حيث تكون الفوارق في صميم الكتابة والصور المتشكلة ذاتها، لتغيب الخربشات وطرافتها، حالات الحذف والإضافة وتعثُّر الأثر الخطي أو الرسمي وطبيعته، فالكومبيوتر يفرض سلطته الواحدة، خلاف الدفتر الذي يتحرك تبعاً لإيقاع رغبة صاحبه.

إنه تنوع في الأزمنة، أعني في طرق تعامل الإنسان مع نفسه ومحيطه والعالم، وليس من ممارسة كتابية إلا ولها فنونها ودفعات جنونها ومنغصاتها، لكن إبقاء الدفتر في الخلف يحرمنا من الكثير مما يفيدنا ويبهجنا، من خلال ما يمكننا من اكتشافه في مقتنيه، فيما دوَّنه فيه، وكيف. إن قدرتنا على نسج علاقات أكثر شفافية واختلافاً، تحثنا على النظر بحكمة أكثر إلى ماضينا وما يشغله، مما يعنينا ويؤاسينا لاحقاً، والدفتر ضرب من الماضي المتجدد فينا!

إبراهيم محمود