بداية السطر هي بداية الفكرة. وبداية ولادة غامضة لا نعرف أسرارها في الغالب. لكن قبل هذا أين تكون الفكرة! في أي فضاء تسبح قبل إن تلتحق بأول السطر؟

سؤال استطلاعي أكثر من كونه سؤالاً تعريفياً قد يصلح أن نعرضه على فصائل كثيرة من الأدباء والمفكرين والمثقفين. فما بين السطر والفكرة مساحة تتسع عادة لتشمل الحياة برمتها. والتجارب البشرية برمتها. فالفكرة وليدة التأمل والفكر والبحث عن الحلول الإنسانية والمعرفية، أما السطر فهو الوعاء الأول لحضانة مفاتيح الفكرة ومن ثم نسجها في متواليات قد تقصر وقد تطول إلى مجلدات لا حصر لها. وبالتالي تولد الأسطر متتابعة في آفاقٍ إنسانية مديدة لا تنتهي إلا بإنتهاء الأسطر وبوضع النقطة الأخيرة، ليبدأ (رأس سطر) جديد وتبدأ فكرة أخرى ؛ فتتعاقب الحياة بين السطور وتنشأ المعرفة من زواياها المختلفة.أي أن ثمة معنى يمكن أن نوجده هنا هو أن السطر مؤرخ الفكرة وحاضنته وتاريخه بشكل أدق.

قبل اختراع الطابعة من قبل يوهان غوتنبرغ (1400-1468) كانت الأصابع تحل محل الأزرار الطباعية ومع أن الأصابع بتكويناتها المعروفة تلتوي مع الكلمات. بل مع الأفكار على وجه دقيق. فإنها كانت تستقيم في لحظات التجلي لتصنع الأسطر المستقيمة. فالأسطر النازلة والمائلة ربما كانت تضغط على توهج الفكرة من جانب نفسي فتؤجل انبثاقها وترتبك شياطين الكتابة في كل لحظة. لذا كانت الأصابع هي الأسطر الأولى التي كانت تتولى ترتيب الكتابة في لحظاتها الأولى وتقاوم إلتواءاتها الطبيعية في محفل الأفكار المتدفقة. ب السطر وصلة ضوء بين الفكرة والكتابة. أول إيقونة جمالية تتناغم مع كلمات مبعثرة فتتناسق بين الأصابع وهي قادمة من المجهول، لهذا نرى أن عملية الكتابة بذاتها عملية «تسطيرية» في ظاهرها، لكنها فنية في عمقها الفلسفي والمعرفي، والتسطير شكل متقدم من أشكال الكتابة القديمة والحديثة.

ولو طالعنا عصور المخطوطات لأدهشنا ذلك التنسيق المذهل في وجود الأسطر الوهمية التي تتقاطر عليها الحروف والجمل لتشكل مشهداً صورياً بارعاً في التأليف الثقافي والمعرفي.

ولم يصل عصر المخطوطات إلى هذا التناغم لولا إن وجد الكتّاب والنّساخ أن بهم حاجة فعلية لترتيب أوراقهم وحصرها في خطوط مستقيمة لتشكل جدولاً متناسق الأبعاد والمسافات والزوايا.كي يولد الكتاب المعرفي بشتى تصنيفاته الثقافية والإنسانية.

ج

رأس السطر انبثاق أولي لعالم قدِمَ من مجهول خيالي خارج السياقات المألوفة في التعامل اليومي.وابتدأ بنقطة، ربما هي وهمية، أو رمزية، أو واقعية، لكنها نقطة شروع نحو التأليف والإبداع وانثيال الأفكار الخيالية والواقعية معاً لصيرورة الكتابة وإدامتها.

ويوم وُلد رأس السطر وامتد ليكون سطراً كانت استقامته تشي كما لو أن أصابع اليد قد استقامت ونسيت التواءاتها ومنحنياتها باتجاه الفكرة القادمة، وهي تطوي أفضية غائبة وغائمة وغامضة لتصل إلى الورقة بنقطة رأس السطر التي تعني انطلاقتها واندفاعاتها الأولى نحو الخروج إلى العالم، كولادة شرعية تستاف عبيرها الأول على أنفاس الورقة البيضاء.

د

بدأ السطر عندما كانت الكتابة تبحث عن مهندسٍ وصانعَ بيتٍ لها، يلم شتاتها من التبعثر على الصفحات هنا وهناك.ويوازن بين خطواتها المنحنية إلى الأسفل واتجاهاتها التي تتلاصق بفعل الاستمرارية في الكتابة. فكان السطر الأول هو المؤسس لحضارة الكتاب ومهندس الكلمات وراعي الحروف. فكلما يولد سطر تتأسس حضارة إنسانية عليه.

وكلما تترادف السطور تنتمي إليها حضارات وثقافات ؛ وهكذا ظلت هندسة السطر ثابتة، تؤسس الأجيال المتعاقبة وتؤرخ لمجد الحضارات المختلفة وتتعقب الثقافات في كل مكان.

ه

احتفى السطر بكينونته وبقائه منذ نشوئه المجهول وحاجة النسّاخ إلى هندسته الشكلية، ولم يفقد قيمته الاعتبارية في ظل تكنولوجيا العصر الحديث وتطور آلات الطباعة ودخول أجيال من الحاسبات المختلفة. ربما حدث العكس تماماً حينما بقي السطر يواكب هذه التطورات، منسقاً للكلام والكتابة، حتى في أدق الآلات الإلكترونية صغراً.

فالسطر هو المؤسس الأول لأبجدية الكتابة على شتى مراحلها، وهو الخيط الرابط للأفكار والجمل والكلمات والصور والمشاعر والفلسفات والثقافات والحضارات. كونه نقطة الوصل بينها جميعاً ومنه يبتدئ الكلام.

و

هناك سطور عَرضية وأخرى أفقية. وهناك سطور تبدأ من اليسار وأخرى من اليمين.وهذه احتياجات لغوية قديمة نشأت مع الإنسان منذ عصره الصوري يوم كان يرسم على جدران الكهوف، معبّراً عن خلجاته بالرسم لا بالكتابة.

فقد كان الرسم هو الكتابة وكانت الأوراق هي الحجر ومن ثم ورق البردي وقبله جلود الغزلان وبقية الحيوانات ثم المعادن والفخار وما إلى ذلك، مما يشير إلى تعثر الأسطر التي لم تكن على نظام معين بسبب صوريتها، وبسبب حداثة الكتابة والمعرفة الأولى للإنسان وهو يواكب عملية تطوره المعرفية جيلاً بعد جيل.

ومن أقدم الكتابات المعروفة هي الكتابة الهيروغليفية المؤلفة من مجموعة من النقوش المستمدة من الحياة اليومية فهي كتابة تصويرية بالإضافة لوجود حروف أبجدية وإن كانت أكثر تعقيدا من الأبجدية المعروفة الآن في اللغات المنتشرة.

وبعد اكتشاف حجر رشيد خلال الحملة الفرنسية على مصر قام العالم «شامبوليون» بنشر اكتشافه حول كيفية فك طلاسم اللغة الهيروغليفية عام 1822. وقد اعتبر شامبوليون أول من اكتشف أن الرموز الهيروغليفية هي رموز صوتية وقام بفك رموزها. ثم جاء الخط الهيراطيقي وهو أكثر سهولة وانسيابية من سابقه والذي استخدم لكتابة الوثائق الدينية والطبية والإدارية وغيرها.

وقد لا نستطيع استعراض جميع مراحل الكتابة في كل عصورها، وهو أمر يأخذ حيزاً كبيراً هنا. غير أن الكتابات القديمة توفرت على هذه المفاصل الكتابية، فالسطر الإنجليزي يبدأ من اليسار إلى اليمن، عكس السطر العربي الذي يؤمن باليمين قبل اليسار! أما السطور الصينية فتتقيد بنظام كتابة فكري يسمى «هاندزُ» اخترع قبل 4000 عام. واللغة الصينية لا تحتوي على أبجدية، وإنما على كلمات. فالرمز الواحد عبارة عن كلمة مستقلة.

ويكتب الرمز من اليسار إلى اليمين، ومن أعلى إلى أسفل، وما يخالف ذلك يعتبر خطأ. والسشودو» هو فن الكتابة اليابانية وتقسم الخطوط فيه إلى ثلاثة أنواع رئيسية وهي آل «كائيشو» ويعني الكتابة بالأحرف المنفصلة والسغيوشوسنوع ذو حروف نصف متصلة.والسشوشو» نوع ذو حروف متصلة، يتم فيه وصل الأحرف حتى تكون الكتابة متدفقة ويصبح منظرها رشيقا ويصعب على العامة قراءة هذا النوع من الخطوط.

ز

إن كانت السطور تكتب من الأعلى أو الأسفل أو من اليسار واليمين فليس هناك من ضيرٍ ما دامت الأفكار تتسلسل وفضاء المخيلة يتواتر والإبداع يتدفق ثقافة أو علماً أو معرفة.

فالسطر إن كان أفقياً أو عمودياً أو يغير اتجاهاته يميناً ويساراً، هو منظّم المخيال، وهو مستقيم جمالي يبلور درجات التوتر الإبداعي وينشّط مفاصل الكلمات بإنسيابية يكتنفها الكثير من الألق الروحي والنفسي.

هذا الألق تستشعره الأصابع قبل غيرها وهي تستقيم مع الحروف والكلمات، حتى لو كانت تلتوي وتنضغط تحت وطأة الفيض العاطفي الآتي من مخيلة صعبة المراس. فالأصابع ليست وسيلة للتدوين حسب، غير أنها مشاركة في الإلهام والإستلهام. إنها لسان الخيال!

ح

يكتسب السطر دلالات أخرى غير كونه مهندس الكلمات، فقد يخفي رمزياً ما لا نستشعره في القراءات العابرة. فسما بين السطور» هو القناع الذي تتخفى المعاني وراءه. والرمز الذي يتوارى خلفه الكتّاب.أما المخفي ضمناً بين السطور فهو المخفي خلف قناع الكلمات. فالسطر وجود منظّم للورقة. إنه سكة الكلمات التي تتهادى عليه.فلا يوجد بين سطر وسطر غير فراغ صغير يُباعد بين الكلمات كي لا تصطدم وتشتبك وتنفجر وتضيع معانيها.

وما بين السطور هو المنتزع من قافلة الحروف. الذي لم يُكتب. الرمز والقناع والغموض.الضائع في لجة المعاني والإيهامات. الشارد من الجملة المكتوبة. لكنه المتواري فيها.

هكذا تضيّع علينا القراءة العابرة أسراراً كثيرة ومعاني متضامنة، كونها مفقودة في النصوص المكتوبة، فتاهت بين السطور، لكن التلقي المتمرس والحاذق يصل إليها. يصل إلى المخفي منها.فبين السطور هو الذي يجب أن نكتبه..

السطر في اللغة «من لسان العرب»

السَّطْرُ والسَّطَرُ: الصَّفُّ من الكتاب والشجر والنخل ونحوها؛ قال جرير: مَنْ شاءَ بايَعْتُه مالي وخُلْعَتَه، ما يَكْمُلُ التِّيمُ في ديوانِهمْ سَطَرا والجمعُ من كل ذلك أَسْطُرٌ وأَسْطارٌ وأَساطِيرُ؛ عن اللحياني، وسُطورٌ.ويقال: بَنى سَطْراً وغَرَسَ سَطْراً.

والسَّطْرُ الخَطُّ والكتابة، وهو في الأَصل مصدر. الليث: يقال سَطْرٌ من كُتُبٍ وسَطْرٌ من شجر معزولين ونحو ذلك؛ وأَنشد: إِني وأَسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا لقائلٌ: يا نَصْرُ نَصْراً نَصْرَا وقال الزجاج في قوله تعالى: وقالوا أَساطير الأَوّلين؛ خَبَرٌ لابتداء محذوف، المعنى وقالوا الذي جاء به أَساطير الأَولين، معناه سَطَّرَهُ الأَوَّلون، وواحدُ الأَساطير أُسْطُورَةٌ، كما قالوا أُحْدُوثَةٌ وأَحاديث.

وسَطَرَ بَسْطُرُ إذا كتب؛ قال الله تعالى: ن والقلم وما يَسْطُرُونَ؛ أَي وما تكتب الملائكة؛ وقد سَطَرَ الكتابَ يَسْطُرُه سَطْراً وسَطَّرَه واسْتَطَرَه.وفي التنزيل: وكل صغير وكبير مُسْتَطَرٌ.وسَطَرَ يَسْطُرُ سَطْراً: كتب، واسْتَطَرَ مِثْلُهُ.

قال أَبو سعيد الضرير: سمعت أَعرابيّاً فصيحاً يقول: أَسْطَرَ فلانٌ اسمي أَي تجاوز السَّطْرَ الذي فيه اسمي، فإِذا كتبه قيل: سَطَرَهُ. ويقال سَطَرَ فلانٌ فلاناً بالسيف سَطْراً إذا قطعه به كَأَنَّهُ سَطْرٌ مَسْطُورٌ؛ ومنه قيل لسيف القَصَّابِ: ساطُورٌ. الفراء: يقال للقصاب ساطِرٌ وسَطَّارٌ وشَطَّابٌ ومُشَقِّصٌ ولَحَّامٌ وقُدَارٌ وجَزَّارٌ.

وقال أَبو عبيدة: جُمِعَ سَطْرٌ على أَسْطُرٍ ثم جُمِعَ أَسْطُرٌ على أَساطير، وقال أَبو أُسطورة وأُسطير وأُسطيرة إلى العشرة. قال: ويقال سَطْرٌ ويجمع إلى العشرة أَسْطاراً، ثم أَساطيرُ جمعُ الجمعِ. والسَّطْرُ السِّكَّةُ من النخل. والسَّطْرُ العَتُودُ من المَعَزِ، وفي التهذيب: من الغنم، والصاد لغة.

سطور الحب

هناك سطور كثيرة في الكتابات الأدبية والفكرية العامة. لكن سطور العاطفة هي أكثر السطور تلقياً لدى القراءة. فثمة سطور الحب التي يكتبها الجميع. سطور المرأة الأكثر شيوعاً في الإنشائيات العاطفية. قصائد الحب هي سطور القلوب المتوجعة. وبرع شعراء كثيرون منذ العصر الجاهلي حتى اليوم في إضماماتهم الشعرية التي توفرت على سطور العشق والمرأة والحب والخيال الجامح..

وارد بدر السالم