(ما فائدة النقد إذا لم يكن دافعاً للتغيير، دليلاً إلى الأخطاء) بهذه الكلمات كان رولان بارت يفتتح حواراته، رافضاً كتب المؤسسات التعليمية أو الأكاديمية أو ما يصنف في خانة الكتاب المدرسي التعليمي، لم يكن بارت منظراً استعراضياً تهلل الصحف لمقالاته كما الحال في الصحافة العربية، بل كان ناقداً رصيناً، شديد الاهتمام بمصطلحه النقدي دون ثرثرة أو محسوبيات.

وعلينا ـ من باب النقد الذاتي ـ الاعتراف، إن ما ينشرعربياً من كتب تصب في هذا الاتجاه، فيها من المحسوبيات والمحاباة وغير ذلك الكثير، وفيها من النقد القليل، ويخشى المرء أن يقول فيها من السطحية ما يفوق المحسوبيات والمحاباة، وقلة المعرفة بدور النقد في المجتمع.

لقد ازدهرت في الآونة الأخيرة موضة الكتابات الانطباعية عن النصوص الأدبية أو اللوحات التشكيلية أو العروض المسرحية والسينمائية وجلها انطباعات من واقع الحال، حيث يقول الكاتب ما شاهده أو قرأه بشكل فني ويرصه في قوالب متناغمة ويطرحه على أساس انه نقد، ومن تلك الأمثلة التي تتناسب مع الكتابة عن اللوحات التشكيلية نورد الآتي: «الخطوط الواهية المترامية في عمق البعد اللوني تلتقط انصهارات حارة للمزيج الساحر الذي يبدو طفيفا وخجولاً بين انحناءات وانكسارات المعنى البعيد للفكرة».

هذا مثال بسيط عن التشكيل ولو التفتنا إلى الشعر لكانت الحالة أكثر تعقيداً وإساءة لمفهوم النقد، لكن الإساءة الكبرى أن يتحول كتاب الانطباعات إلى نقاد ويطرحون في هذا الحقل كتباً وأحيانا ترعاها مؤسسات. ومن ثم يذهب مؤلفوها إلى مؤتمرات وحلقات نقاش وورش عمل فتجدهم يثرثرون فيها وكأنهم في مقهى لتتحول تلك الثرثرات إلى نصوص مطبوعة وموثقة بآلاف النسخ.

ما نعاني منه فعلياً هو غياب الكتاب النقدي الذي يمتلك مصداقية في الطرح وتطبيقية في الفهم، على شاكلة هذا هو النص وهذا ما يقابله من نقد علمي منهجي جديد، لا إعادة واجترار أو تكرار فيه.

عن غياب النقد يمكن أن نفتح محاور وندوات قد لا تنتهي بتلك السهولة، لأن النقد حاضر بشكله، غائب بفعله، وكثيراً ما يعزى تأخر الكتابة العربية عن مثيلتها الغربية إلى غياب النقد، وبسبب عقلية المحاباة سيطول انتظار المكتبة العربية لكتب تنتقد حلتنا الثقافية، والسياسية والاقتصادية، وفي ظل الاستهلاك والإيقاع السريع لعصر يسابق الريح، ستكون مهمة الناقد شاقة جداً.

hussain@albayan.ae