يعود كتاب «الحرب العالمية الافريقية» لمؤلفه جيرار برونييه بداية إلى المجزرة الرهيبة التي عرفتها رواندة في صيف عام 1994 والتي ذهب ضحيتها حوالي مليون نسمة من القبيلتين المتصارعتين، الهوتو والتوتسي.

لكن تلك المجزرة كانت أيضا وراء حمامات من الدم تلتها في إفريقيا جنوب الصحراء. إنها كانت بمثابة «قنبلة حارقة» أولعت نيرانا متفرقة، وليس على صعيد المكان فقط ولكن أيضا عبر عدة أجيال. وقد ترتب عليها ما يقارب الأربعة ملايين ضحية. وهذا ما يشرحه المؤلف بالتحديد وكيف أن تلك المجزرة كانت السبب في نشوب عدد من النزاعات في منطقة البحيرات الكبرى، وأبعد منها في عموم وسط إفريقيا.ويشرح المؤلف أنه بعد تلك المجزرة الرهيبة التي شهدتها رواندة، اضطر ما يقارب مليوني لاجئ ترك البلاد وتوجهوا إلى الزائير المجاورة في عام 1996. ذلك أنه كان قد غدا من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التعايش بين قبيلتي التوتسي والهوتو اللتين مارستا «القتل على الهوية». كان أولئك المهاجرون يشكّلون حوالي ثلث مجموع سكان رواندة وأقاموا في معسكرات كانت الأمم المتحدة تشرف عليها في الزائير.

لم يكتف الجيش الرواندي بالهجوم على معسكرات اللاجئين لكنه تابع الهجوم ضد نظام موبوتو في الكونغو «التي كانت تسمى الزائير آنذاك «بحجة أن نظامه «الدكتاتوري» قد منح حق اللجوء لأولئك «المارقين» من الذين كانوا قد قادوا المجزرة في صيف عام 1994.

وتتم الإشارة هنا إلى أن منطقة تواجد معسكرات اللاجئين الروانديين في شمال الكونغو قريبة من حدود اوغندة ورواندة، وهي منطقة غنية بثرواتها المعدنية حيث كان قد هاجر إليها عدد كبير من الروانديين، الهوتو والتوتسي، أثناء الحقبة الاستعمارية واستطاعوا أن يحصلوا على ملكية القسم الأكبر من أراضي المنطقة التي تبلغ مساحتها حوالي 28000 ميل مربع.

ويشير جيرار برونييه أن القوات الرواندية التي تصدّت لنظام موبوتو استطاعت بمساعدة عدد من الدول الإفريقية الحليفة الإطاحة فيه ووصول لوران ديزيريه كابيلا إلى رأس السلطة.

لكن النظام الكونغولي الجديد اتسم بقدر كبير من الفساد ومن غياب سلطة مركزية قوية قادرة على ضبط الأمور، مثلما كان الأمر في ظل الحكم الاستبدادي الذي مارسه موبوتو. وعندما طلب «كابيلا» من القوات الرواندية مغادرة البلاد عام 1998 كانت الإجابة هي القيام بهجوم جديد أعمّ وأشمل.

وعلى خلفية «الفراغ في السلطة» الذي عرفته الكونغو دخلت مجموعة من الدول الإفريقية على رأسها رواندة واوغندة وانغولا وزمبابوي وبلدان أخرى في منافسات انتهت إلى حروب طويلة. كان الجميع يطمحون للاستفادة من الثروات الطبيعية، ولكن كانت المصالح متضاربة فانغولا وزمبابوي أرادتا طرد «الغزاة» الروانديين وأرسلتا قواتهما إلى الكونغو.

وما يؤكده جيرار برونييه هو أن رواندة، البلاد الصغيرة، وإنما ذات العدد الكبير من السكان، والفقيرة بالموارد الطبيعية، حاولت طيلة فترة الصراع المحافظة على جني أكبر الفوائد الممكنة من مناجم الكونغو.

وتتم الإشارة إلى أن الجبهة الوطنية الرواندية ?حزب الرئيس الحاكم- كانت قد أشرفت مباشرة على إدارة بعض الشركات قبل الحرب، هذا ما يدل عليه المحققون التابعون للأمم المتحدة. ثم حاولت الاستمرار في المحافظة على سيطرتها للمنطقة الغنية بالمعادن في شرق الكونغو بواسطة «ميليشيات» تعمل لحسابها منذ فترة قريبة.

وعلى رأس هذه الميليشيات تلك التي يقودها «لوران نكوندا»، المعروف أنه كان وراء تدمير قرى كاملة ودفع مئات الآلاف من الكونغوليين لمغادرة بيوتهم والهجرة إلى مناطق أو بلدان أخرى.

وكان «نكوندا» قد شارك في الحرب الأهلية الكونغولية، وفي الحرب ضد موبوتو على قاعدة انتمائه لقبيلة «التوتسي» الكونغولية والمتضامنة مع «التوتسي» في رواندة. وتتم الإشارة هنا إلى أنه كان أحد عوامل استمرار التوترات «الاثنية» في شرق الكونغو. هذا إلى جانب ارتكاب تجاوزات خطيرة ضد السكان ليس أقلّها اغتصاب حوالي 45000 امرأة خلال عام 2005، في منطقة جنوب «كيفو»، نقلا عن تقرير أعدّته الأمم المتحدة.

ويركّز المؤلف كثيرا على «شجب» موقف اللامبالاة الذي اتسم فيه سلوك المجموعة الدولية حيال الحرب الطويلة التي دارت في قلب القارّة الإفريقية وأودت بحياة ملايين الضحايا.

باختصار إنها الحرب الأكبر التي عرفها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. هذا فضلا عن أنها أكبر مأساة كونية منذ نهاية الحرب الباردة. وشهادة يقدمها أحد أكبر المختصّين المعترف فيهم اليوم على الصعيد العالمي فيما يتعلق بالقارة الإفريقية السوداء.

من كتبه: «اثيوبيا المعاصرة» و«من المجزرة إلى الحرب في القارة: النزاع الكونغولي وأزمات الديمقراطية في إفريقيا» و«الأزمة الرواندية: قصة مجزرة»، الخ.

الكتاب: الحرب العالمية الإفريقية

تأليف: جيرار برونييه

الناشر: جامعة اكسفورد 2009

الصفحات: 567 صفحة

القطع : المتوسط

Africa's world war

Gérard Prunier

Oxford University Press- 2009

567P.