الفكرة الرئيسية التي يطرحها كتاب «محاكمة أفكار التنوير» لمؤلفه دانييل لندنبرغ هي أن المثقفين الفرنسيين، خاصة، والمثقفين الأوروبيين عامة، أصبح يمكن تصنيفهم في خانة «الرجعيين». ذلك على أساس مواقفهم المتواطئة مع ما يسمّى بـ «الثورة المحافظة».
هذه «الثورة»، تندرج في إطار «عولمة للأفكار»، انتشرت في مختلف أرجاء المعمورة. وأولئك المفكّرون الذين يقولون بتبنّيهم لأفكار عصر التنوير «انقلبوا» على تلك الأفكار وصولا إلى «تزلّفهم»، حيال مفاهيم استبدادية، بل وعنصرية أحيانا. وما يوحّد هؤلاء المثقفين يجده المؤلف في «بغضهم الأعمى للحداثة وللديمقراطية».ويشير دانييل لندنبرغ إلى ظاهرة كانت الساحة الفرنسية قد شهدتها في العقدين الأخيرين وتمثّلت في «هجرة»، العديد من المفكرين اليساريين خارج «معسكرهم» للانضمام إلى معسكر «اليمين».
بالتوازي مع هذا بدا هناك تقارب كبير في البرامج السياسية نفسها بين أحزاب اليسار وأحزاب اليمين بحيث أصبح التمايز في هذه البرامج مرتبطا بـ «التطرف»، يسارا أو يمينا. هكذا اضمحلت في هذا السياق «الخطوط الفاصلة»، بين الأفكار التقدمية والأفكار المحافظة.
ظاهرة الانتقال من اليسار إلى اليمين وجدت أصداءها الأكثر بلاغة في الولايات المتحدة الأميركية حيث يوجد في صفوف المحافظين الأميركيين الجدد عددا من اليساريين المتطرفين السابقين. فمثلا كان ايفرينغ كريستول ونورمان بودوريتز من المعادين بقوّة للنزعة السوفييتية خلال سنوات الخمسينات والستينات.
لكن لم يكن ذلك من موقع العداء للشيوعية ولكن من موقع اليسار المتطرف «التروتسكي» الرافض للنهج السوفييتي «التقليدي». وكان أولئك اليساريون «المتطرفون» قد قاموا بقطيعة تدريجية مع معسكرهم «الديمقراطي» والانضواء في صفوف الجمهوريين وصولا إلى التحالف الصريح مع رينالد ريغان.
«المحافظون الجدد» يعملون عملهم في الفكر المعاصر، هذا ما يؤكده مؤلف الكتاب بأشكال شتى ويركز على القول أنه على المجتمعات الحديثة أن تدرك واقع مواجهتها لـ «حرب ثقافية».
أما هدف هذه الحرب فهو «كسب العقول»، وهي تصل اليوم إلى إحدى ذراها مع أن عمرها يبلغ ثلاثة قرون تقريبا. إنها حرب بين «أفكار عنصر التنوير» و«أفكار الثورة المضادة». حرب «الأنوار»، في مواجهة مناطق الظل ومختلف الأقنعة التي يلبسها الفكر المحافظ. وهي حرب «لم تتوقف أبدا».
و«المحافظون الجدد»، كما يرى المؤلف، يشكّلون «كتائب» ويحاولون الاستئثار بالسلطة حيثما استطاعوا، كما فعلوا، عندما أوصلوا جورج دبليوبوش إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية.
لكن المؤلف يرى أيضا أن مثل هذا التيار لن ينتصر في النهاية. وهي بصدد التراجع في أميركا مثلما كانت قد عرفت الهزيمة في فرنسا التي يعتبرها المؤلف أحد النقاط التي انطلقت منها «الثورة المحافظة»، مع كتّاب من نوع «شارل دوميتر» و«شارل مورا».
إنها لن «تنتصر» ولكنها تمتلك الكثير من المناصرين ومن القوى التي تدعمها. بالمقابل يرى المؤلف أن أفكار عصر التنوير هي التي أرست أسس العقل النقدي وأكدت على مفاهيم العدالة والحرية وأدخلت في العقول فكرة التقدم. بالتالي لا تسمح هذه الأفكار بقبول فكرة مقابلة تخص إمكانية أن يكون التقهقر والتراجع، «الرجعية» مسارا دائما. لكن ينبغي «الحذر» باستمرار لما يجري في عقول الخصوم.
وفي مقدمة هؤلاء الخصوم «اللبراليون المقنّعون»، و«اليساريون المتطرفون السابقون» و«المفرطون من المثقفين المسلمين في مناهضتهم لأي توجه إسلامي» باسم التقدم، و«الرجعيين»، منذ الأصل. هؤلاء جميعا زادوا من جحافل المعسكر «المحافظ». هذا يعني، حسب رأي المؤلف، أن معركة «التقدم»، لا تزال طويلة. خاصة أن إستراتيجيات المحافظين تقوم على أساس استخدام المعتقدات الدينية كسلاح سياسي.
ويصل المؤلف إلى القول أن النزاعات القائمة حول «اللبرالية»، تتجاوز كثيرا دور السوق أو إيجاد ضوابط لهذه السوق. وإذا كان عدد من الاقتصاديين، على رأسهم «هايك» قد ركّزوا على القول أن اللبرالية تقوم على أولوية السوق، فإن تنظيم المجتمع يتأتى من سلطة العقل وتحديدا بالطريقة التي تصورتها أفكار عصر التنوير.
المؤلف في سطور
مهنة دانييل لندنبرغ، مؤلف هذا الكتاب، هي «مؤرخ للأفكار»، يعمل أستاذا في جامعة باريس الثامنة وهو أحد أعضاء هيئة تحرير مجلة «ايسبري»، الفكرية التي تصدر منذ عدّة عقود. من كتبه «دعوة للانضباط»، و«جان جوريس، الإنسان والمفكّر والاشتراكي» و»، من جوريس إلى بلوم»...الخ.
الكتاب: محاكمة أفكار التنوير
تأليف: دانييل لندنبرغ
الناشر: سويل باريس 2009
الصفحات: 286 صفحة
القطع: المتوسط
Le procès des lumières
Daniel Lindenberg
Seuil - Paris - 2009
296p.

