القراء الذين لم يتوافر لهم الحد الأدنى من المعرفة بالعالم الروائي للكاتبة الأميركية آن رايس والاتجاهات التي اتخذتها مسيرتها الإبداعية في السنوات الأخيرة سيجدون أنفسهم على موعد مع صدمة حقيقية بكل المعايير عندما يقرأون روايتها الجديدة الصادرة مؤخراً بعنوان «زمن ملائكي».
ربما كان مصدر هذه الصدمة أنهم سيقفون حائرين حيال ما يجدونه في هذا الكتاب من ترحال مذهل عبر الزمن، ومن عنف فائق يجتاح هادراً كل من وما أمامه، ومن جنون ينتمي إلى عالم القرون الوسطى الحافل بالأعاجيب، ثم المعجزات المترتبة عبر التدخل من خلال اللطف الإلهي والعناية الربانية. الشخصية التي لابد لها أن تستقطب القراء على الفور تقريباً في هذه الرواية المدهشة هي شخصية توبي أودير، الرجل الغامض والملتبس الذي يصيبه التناقض والتنافر بما يشبه الشلل، وفي الوقت نفسه فإنه قاتل محترف يبدو كما لو كان قد بعث لتوه من أعماق الجحيم.
وسيدهشنا ان نجد أودير يعزف على الناي ويقرأ أعمال القديس توماس الاكويني وفي الوقت نفسه يغرس السم في أعناق ضحاياه. وهو يقيم في شقة فخمة في بيفرلي هيلز، ولكنه لا يكف عن الترحال في خدمة سيده مجهول الهوية الذي لا نعرف عنه إلا أنه يحمل لقب «الرجل المناسب».
ونتوقف عند إصرار «الرجل المناسب» على أن من يصفهم بـ «الأخيار» هم الذين يمولون المهام التي ينفذها أدوير ولكن أودير، من جانبه يعتقد أن جريمة القتل هي جريمة قتل لا أكثر ولا أقل.
وسيذهلنا أن هذا الرجل العجيب كان في صدر عمره يحلم بأن يكون راهباً في السلك الدومينيكاني، ولكن حلمه يتشظى في غمار صدمة شيطانية.
وهو يتمرد علي كل ما هو أخلاقي وروحاني عندما تقدم أمه السكيرة على قتل أطفاله الصغار ومن ثم الانتحار بعد جريمتها. وعلى الرغم من تمرده، فإنه لا يستطيع الكف عن الصلاة، وهو يسعى رغم كل شيء إلى الخلاص.
وسيجيء هذا الخلاص إلى عالمه الوحشي في صورة غريب غامض. وهذا الغريب ليس إلا ملاكاً، مهمته أن يرسل أودير إلى انجلترا القرن الثالث عشر، عائداً في مسيرة الزمن عبر العصور إلى عصر حافل، بالاتهامات الموجهة إلى البعض بالقتل الطقوسي، والغموض الذي يحيط باختفاء بعض الصغار على نحو يستعص على كشف مغاليقه.
وهكذا يتعين على أودير أن ينقذ زوجين يتعرضان لغضب جمع ثائر من الناس يوشك على الفتك بهما. هكذا يبرهن أودير على أن الرب ينفذ مشيئته بطرق تتحدى قدرة البشر على الفهم والإدراك، ومن هنا فإننا نرى هذا المجرم العتيد سابقاً يغوص في عالم رهيب، بحثاً عن امكانية استرداد النظام لهذا العالم المضطرب وفي الوقت نفسه وصولاً إلى براءته المفقودة.
وهو يخرج من هذا كله نادماً على كل الشرور التي جنتها يداه، ويعود إلى الزمن الحاضر، متسلحاً بإلهام ملائكي ونجوم شيطاني في آن، فنراه في نهاية المطاف نادماً «على كل شر اقترفته في يوم من الأيام» حسبما يقول لنا. بهذا المعنى، فإن هذه الرواية تشكل عملاً رمزياً حافلاً بالأحداث والمفاجآت يدور حول الشياطين والقتلة، ولكنه يسعى في نهاية المطاف إلى بلورة إنسانية الإنسان في أرقى معانيها وأكثرها صفاء ووضوحاً وتألقاً.
وفي قلب هذا كله، فإن شخصية توبي أودير لا يمكن إلا أن تثير التساؤلات، فكيف يمكن لرجل غارق في مستنقع الشر يحترف تنفيذ مهام الاغتيالات والتصفية أن يسترد براءته التي فقدها في ظروف تراجيدية في مقتبل العمر؟
إن هذا السؤال يستمد مبرر طرحه من ذلك اللقاء المدهش بين أودير وبين ذلك الملاك الغامض والغريب الذي يطرق بابه يوماً ويعرض عليه تلك الفرصة النادرة والفريدة التي يمكن أن يحول بها من حاصد للحياة إلى منقذ لها، ويبعث الحياة من جديد في حلمه القديم في أيام الطفولة بأن يتحول إلى راهب يخدم الحياة الروحية للناس. وليس من قبيل المصادفة أن أودير يتشبث بهذه الفرصة ويتعلق بها، بعد أن غرق في مستنقع الشر والدم طويلاً.
ولكن الانتقال الذي يخوض غماره ليس انتقالاً عادياً، فهو يودع شقته الفاخرة العتيدة في بيفرلي هيلز، ومن ثم يرتحل عبر الزمن عائداً إلى انجلترا القرن الثالث عشر، إلى رحاب ظلمة كثيفة لإبكاء المرء فيها يرى يديه، حيث تتعدد الاتهامات بالقتل في اطار أداء طقوس دموية، ويختفي الأطفال، أو يلقون حتفهم على نحو غامض وملتبس يتحدى إمكانية رصد ملامح الحقيقة.
وفي هذه الأجواء البدائية، يسعى أودير إلى انقاذ زوج وزوجة تحاصرهما الاتهامات، وهو يوفق بالفعل في ذلك بعد أن أوشك الزوجان على اليأس من إمكانية الإفلات بجلديهما. ولكن المهمة الأكثر صعوبة والتي تكتنفها مخاطر تبدأ ثم لا تنتهي هي أن يبحث أودير عن خلاصه هو، عن روحه الهاربة في مستنقع الدم الذي وجد نفسه فيه، أن يبحث عن براءته المفقودة التي غابت عنه طويلاً.
هذا البحث، أو إن شئت رحلة السعي وراء الخلاص هذه، لابد له من أن يمر عبر غابة من الأخطار والخيانات والمصارع وأيضاً الحب قبل أن يتاح لأودير أخيراً أن يطرق أبواب الخلاص المنشود.
ولعله ليس من قبيل الصدفة أن تصدر الطبعة الأولى لهذا الكتاب في ربع مليون نسخة، فالجماهير الحاشدة من عشاق أدب آن رايس سبق لها أن وصلت بعدد النسخ المباعة من كتبها إلى مئة مليون نسخة علي امتداد العالم، وهو رقم قياسي بكل المعايير.
ربما لهذا السبب علي وجه الدقة فإننا نجد مطبوعة مرموقة مثل «إدمتنون جورنال» تعقب على رواية آن رايس الجديرة بالقول: «عندما تطلق آن رايس كتاباً جديراً فإن صيحات الاحتفاء والحماس تعلو من قاعدة المعجبين بإيداعها على امتداد العالم».
وبدورها تقول مطبوعة متخصصة في عروض الكتب هي مجلة «كيركوس» إن: «كتاب رايس هو انتصار لنغمة الإبداع، ونثرها رشيق وغنائي ومتوهج بالحياة، والشخصية الرئيسية فيه قابلة للتصديق تماماً على الرغم من تحولاتها المدهشة. وهذه الرواية التي تتجاوز انجازات المؤلفة السابقة تحولاتها المدهشة.
وهذه الرواية التي تتجاوز انجازات المؤلفة السابقة ترقى إلى أن تكون عملاً من أعمال الإيمان والرؤية الصادقة لتجليات الروح الساعية للخلاص والتحقيق أبداً، وهي تردد أصداء أجمل أعمال الروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكيس والروائي الياباني شوساكو إندو».
وتظل هذه الرواية من إبداع الكاتبة الأميركية آن رايس عملاً خلافياً ومثيراً للجدل إلى أبعد الحدود، لكنها في كل الأحوال تعد رواية شديدة الجاذبية حقاً بالنسبة لمن يستهويهم هذا النوع من الكتابة الروائية المحلقة في آفاق الرمزية. ومن المدهش حقاً أن نلاحظ أنها في انتشارها تظل قادرة على منافسة روايات رايس التي تدور حول مصاصي الدماء، والتي تعد بدورها مطاردة مثيرة لشخصية اللامنتهي في كل العصور.
الكتاب: زمن ملائكي
تأليف: آن رايس
الناشر: نوفنيويورك 2009
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
Angel Time
Anne Rice
Knopf, N.Y. 2009
288P.

