يؤكد الكاتب الراحل رجاء النقاش في كتابه «شخصيات وتجارب في المسرح العربي» أن المسرح العربي الجديد يشق طريقه ليصبح فناً راسخاً في البيئة الثقافية بدلاً من أن يبدو فناً غريباً على ذوقنا وعقولنا وتجاربنا، وفي قلب هذه المحاولة الواسعة التي يبذلها عشرات الفنانين العرب، لإعطاء المسرح شخصيته العربية الخاصة، توجد كثير من العقبات والصعوبات التي يجب أن نعرفها لكي نتخطاها.
يسهم رجاء النقاش في الكشف عن العقبات والصعوبات ويقترح الحلول لتجاوزها، حيث تكمن أهمية كتابه في أنه يعتبر متابعة معاصرة لفترة من تاريخ المسرح العربي والمصري يصنفها البعض هي العصر الذهبي لهذا المسرح وهي فترة الستينات. ويمكن لمن عاصر هذا الفترة أن يستشف ما خلف السطور من معارك وسياسات كانت تصبغ الحياة الثقافية في هذه الفترات، مثل سياسة الكم أم سياسة الكيف، وأيهما أولى بالاتباع، وهذه القضية حكمت الحركة الثقافية لفترة غير قليلة، ومثل هذه القضايا ومناقشتها من خلال صفحات هذا الكتاب تتم بقوة على مدى انخراط رجاء النقاش في الحركة المسرحية آنذاك، وعن مدى معرفته بالتيارات الحاكمة لهذه الحركة وعن موقفه الفني والشخصي فيها.
وهذا الكتاب ما هو إلا إضافة إلى كتابين للكاتب عن المسرح وهما «في أضواء المسرح» و«مقعد صغير أمام الستار» وهذه الكتب تشكل بانوراما جيدة جداً في المسرح المصري في فترة من أزهى فتراته.
ولكن ماذا تعني كل هذه المحاولات؟ إنها لا تعني أن المسرح كشكل فني كان موجوداً في الثقافة العربية القديمة، ولكنها تعني أن «المادة الخام» والتي تصلح مصدراً للأعمال المسرحية المختلفة موجودة بشكل خصب في الأدب العربي القديم، وأن هذه المادة تستطيع ولاشك أن تساعد على إعطاء المسرح العربي المعاصر ملامح خاصة وشعبية عربية واضحة.
ولكن هذا كله شيء، ووجود المسرح في الثقافة العربية القديمة شيء آخر، فكل الأبحاث الجادة التي قام بها العلماء في هذا المجال لم تستطع أن تثبت حتى الآن وجود الفن المسرحي بشكله المعروف في ثقافتنا العربية القديمة، ومن هنا، وحتى يتمكن الباحثون إثبات العكس، فإننا لا نستطيع أن نقول إلا أن المسرح فن جديد على الثقافة العربية ولد مع أول وقفة ليعقوب صنوع على خشبة مسرح الأوبرا في مصر منذ مئة سنة تقريباً.
ثم بدأ المسرح العربي يظهر بملامحه الخاصة المستقلة، بحيث أصبحنا نستطيع أن نقول اليوم إن لدينا مسرحاً عربياً مستقلاً خاصاً، رغم أن هناك بيئات عربية كثيرة متعددة مازالت تعتبر المسرح فناً غريباً عليها، لا تعرف عنها شيئاً على الإطلاق.
وفي هذه المرحلة الجديدة ظهرت مشاكل وقضايا عديدة يواجهها المسرح العربي في طريقه.. وهذا الكتاب يعكس في فصوله المختلفة بعض القضايا الراهنة في المسرح العربي، وكل الدراسات تعتمد على واقع المسرح العربي في مصر، فمصر .
كما يقول رجاء النقاش هي البيئة الفنية والثقافية التي استطعت أن أتابع فيها حركة المسرح بشكل يسمح لي بالتعليق والمناقشة، على أنني بعد أن شاهدت عروضاً مسرحية متعددة في أكثر من عاصمة عربية، أعتقد أن المشاكل التي يتعرض لها المسرح العربي في مصر هي نفسها المشاكل التي واجهت ـ أو التي ستواجه في المستقبل ـ بقية الحركات المسرحية في الوطن العربي.
ويقول رجاء النقاش أن الكتاب يضم بعض فصول عن مسرحيات أجنبية، وقد حرصت على إبقاء هذه الفصول كما هي لأنها تتصل بتجارب عربية في الإخراج والتمثيل، وقد حاولت أن أفسر في هذا الفصل سبب فشل بعض الأعمال المسرحية العالمية فوق خشبة المسرح العربي.
المؤلف في سطور
رجاء النقاش (3 سبتمبر 1934 - 8 فبراير 2008)، ناقد أدبي وصحافي مصري، تخرج من جامعة القاهرة قسم اللغة العربية عام 1956 واشتغل بعدها محرراً في مجلة «روز اليوسف» المصرية بين عامي 1959 إلى غاية 1961 ثم محرراً أدبيا في جريدة أخبار اليوم وجريدة الأخبار بين الفترة الممتدة من عام 1961 حتى عام 1964.
كما أنه كان رئيس تحرير للعدد من المجلات المعروفة منها مجلة الكواكب ومجلة الهلال كما تولى أيضاً منصب رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة مجلة الإذاعة والتلفزيون، من مؤلفاته «في أزمة الثقافة المصرية»، «تأملات في الإنسان»، «عباس العقاد بين اليمين واليسار»، «صفحات مجهولة في الأدب العربي المعاصر».
الكتاب: شخصيات وتجارب في المسرح العربي
تأليف: رجاء النقاش
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2009
لصفحات: 259 صفحة
القطع: المتوسط
محمد الحمامصي

