يسعى الباحث جوني منصور في كتابه «إسرائيل الأخرى: رؤية من الداخل» إلى تقديم قراءة واسعة للمجتمع الإسرائيلي من الداخل بغية تمكين القارئ العربي من معرفة إسرائيل معرفة وافية من أجل استكشاف ما تخطط له المؤسسة الإسرائيلية بكافة فروعها لخمس سنوات قادمة وذلك من خلال الاعتماد على ما تصدره معاهد ومراكز البحوث هناك بصورة خاصة.
يقرأ المؤلف في الاقتصاد الإسرائيلي حاضرا ومستقبلا حيث يؤكد أن العاملين السياسي والعسكري يلعبان دورا مركزيا في استقرار الاقتصاد الإسرائيلي ولعل التأثير الذي خلفته الانتفاضة الفلسطينية في عام 2000 على هذا الاقتصاد تعد مثالا واضحا ولذلك تسعى قيادات الاقتصاد إلى التخلص من موروثات الحرب بأي شكل كان لتحقيق الخصخصة الكلية في قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي.وعلى صعيد الرؤى الأمنية/ العسكرية يحاول جوني منصور تناول تأثيرات حرب تموز 2006 على حاضر ومستقبل الجيش الإسرائيلي إبعد أن كشفت تلك الحرب عن الإخفاقات العسكرية والنقص في تقنيات الجيش وفشل الاستخبارات العسكرية في جمع المعلومات عن قدرات حزب الله.
ثم ينتقل لدراسة تداعيات الملف الإيراني عسكريا وأمنيا على إسرائيل، وبعدها يتناول وجهة النظر الإسرائيلية الجديدة حول القضية الفلسطينية للسنوات الخمس القادمة باعتبار أن هذه القضية تمثل أبرز قضية تقض مضاجع الإسرائيليين.
وتتضمن وجهة النظر الأمنية أو المبادرة المعكوسة كما يسميها واضعوها إستراتيجية هدفها الوصول إلى انهيار إسرائيل من الداخل كما حصل للاتحاد السوفييتي فيما لو استمر احتلالها.
لذلك يجب منع حصوله إذ أن استمرار الاحتلال مدة أطول سيؤدي إلى زيادة الأعباء السياسية والاقتصادية والعسكرية والإدارية مما سيزيد الضغط الداخلي عليها، كما أنه سيعمل على تآكل فكرة دولتين لشعبين ويدفع بالمحافل الدولية لتبني مشروع دولة واحدة لشعبين مما سيقود إلى نهاية المشروع الصهيوني بإقامة دولة يهودية في فلسطين.
على مستوى آخر يتناول المؤلف بالتحليل هوية دولة إسرائيل الديمقراطية من خلال دراسة البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الذي ينقسم إلى فئتين أساسيتين هما اليهود الغربيين واليهود الشرقيين وما يتخللهما من شرائح أخرى .
حيث يسيطر اليهود الغربيون على الاقتصاد والقيادات السياسية والوزارات والمؤسسات الإدارية رغم أن اليهود الشرقيين يشكلون أغلبية المجتمع الإسرائيلي ما يجعل الديمقراطية غير متحققة ويخلق أزمة حكم في ظل هذا النظام الديمقراطي .
ويتابع المؤلف مناقشة المسألة الديموغرافية التي تشكل أكبر خطر لوجود إسرائيل بالاعتماد على توقعات مكتب الإحصاء المركزي أيضا مما يستدعي منها محاولة الحفاظ على استقرار النسبة بين اليهود والعرب فيها لأن زيادة العرب ستقود إلى تزايد قوتهم الانتخابية ، ما سيدفعهم لمزيد من المطالب الفردية والجماعية والقومية لذا لابد من الحفاظ على تفوق عددي لليهود من خلال استقطاب مزيد من المهاجرين اليهود إليها.
وبعد أن يعرض جوني منصور للسيناريوهات المختلفة التي وضعها الإسرائيليون للتسوية مع سوريا يعود لدراسة قضية اليهود في إسرائيل والعالم من خلال التغيرات التي طالت مفهوم اليهود واليهودية في الفكر الصهيوني والتغيرات التي حصلت على التركيبة البشرية لليهود من حيث العلاقة بالتراث اليهودي والجذور المكانية لليهود ومسألة اندماج اليهود في المجتمعات الأخرى غير اليهودية وما سوف يعرضها ذلك إلى تغيرات في أنماط حياتها .
وفي علاقتها مع الشعوب التي تعيش معها، ثم يبحث في التغيرات والتحولات التي تعصف باستمرار بالمجتمعات اليهودية في العالم في ظل النظام العالمي وثورة الاتصالات خاصة وأن الثقافة والهوية في إسرائيل تتوزع بين الديني والعلماني .
ويدرس جوني منصور واقع الفلسطينيين في إسرائيل من حيث العلاقة معها كدولة اعتمادا على ثلاث وثائق صدرت في عام 2006 و2007 ثم يحاول الإجابة عن سؤال حول إمكانية زوال دولة الرفاه في إسرائيل من خلال استكشاف التقاطب المتصاعد والحاصل في المجتمع الإسرائيلي حيث يجري تعميق الارتباط مع المدينة ويترك الريف والضواحي للشرائح الضعيفة من المهاجرين الروس والأثيوبيين.
المؤلف في سطور
جوني منصور مؤرخ وباحث فلسطيني مختص بتاريخ الشرق الأوسط والشؤون الإسرائيلية. وقد صدر له العديد من المؤلفات منها الكنعانيون أجداد الفلسطينيين وشوارع حيفا العربية ومسافة بين دولتين والاستيطان الإسرائيلي والخط الحديدي الحجازي.
الكتاب: إسرائيل الأخرى: رؤية من الداخل
تأليف: جوني منصور
الناشر: الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات بيروت الدوحة 2009
الصفحات: 231 صفحة
القطع: الكبير
مفيد نجم

