يحاول كل من شمس الدين الكيلاني ومحمد جمال باروت في كتابهما «القدس في الوعي التاريخي العربي الإسلامي بين التاريخي والفضائلي»، أن يقدما تحليلاً تاريخياً وسيكولوجياً للموقع الروحي والديني والتاريخي للقدس في وجدان وضمير العرب والمسلمين، منذ عصر ما قبل الإسلام وحتى نهاية العصر العثماني.
ويستهل المؤلفان كتابهما بتوضيح منهج المسلمين في كتابة التاريخ، حيث وجدا أن السرد يتداخل مع كتابة التاريخ، الأمر الذي يطيح بمقولة «التاريخ العلمي». ولذلك فإن المدونات والمتون التاريخية التي كتبت عن القدس هي مزيج بين التخيل والمشاعر والوقائع، بحيث يصعب الفصل بين مكونات هذا المزيج. وهذه مشكلة تواجه أي مؤرخ يريد أن يكتب تاريخ مكان مقدس، ففي إعادة كتابة تواريخ الأماكن المقدسة، لا يمكن إهمال ما جعله الوعي البشري مقدساً في هذه الأمكنة. وبالرغم من ذلك، فإن شمس الدين الكيلاني ومحمد جمال باروت يؤكد أن على أهمية النزعة التاريخية في الحضارة العربية الإسلامية، حيث كان هناك خمسة آلاف مؤرخ، وأثني عشر ألف كتاب في التاريخ، بحيث يمكن القول: ان التأليف في التاريخ، احتل في الحضارة العربية الإسلامية، الأهمية التي أحتلها الشعر لدى العرب ما قبل الإسلام.
وفيما يتعلق بتاريخ القدس، فإن المسلمين يعتبرون أن المكانة السامية للقدس قديما قبل دخول المسلمين إليها. فالقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي ومعراجه إلى سدرة المنتهى. وبالتالي فإن بناء المسجد الأقصى، على يد عمر بن الخطاب، ليس سوى تجسيد لاحق لتلك القداسة.
ويرى شمس الدين الكيلاني ومحمد جمال باروت أنه وبالرغم من وجود تاريخ زماني وتاريخ مقدس للقدس، فإن عملية الفصل قد تكون ممكنة تاريخياً، غير أنها صعبة بنفس الوقت.
كما يسهب المؤلفان في الحديث عما يسميانه ب«فضائل القدس» في التاريخ العربي الإسلامي. والمقصود بهذه الفضائل، بروز عدد كبير من كتب التاريخ التي أخذت بالظهور منذ القرن الثاني الهجري، والتي تختص بالحديث عن المعاني السامية للقدس وأهمية مكانته الروحية والدينية في فؤاد كل مسلم.
وتقوم منهجية تلك الكتب على جمع ما يمكن جمعه من آيات وأحاديث تتحدث عن القدس، بالإضافة إلى توثيق الحوادث ذات الدلالة، التي حصلت مع الصحابة الذين مروا بالقدس أو عاشوا فيها. كما تتناول تلك الكتب: فضائل زيارة بيت المقدس، فضل الصلاة عليه، تبشير النبي بفتح بيت المقدس. فهي الأرض التي يقتل بها الدجّال، وهي أرض المحشر.
وأما الحافر من وراء كتب «فضائل القدس»، فقد كان «حافزاً دينياً إيمانياً صادقاً»، ولم يكن له علاقة بالحروب الصليبية، لأن تلك الكتب ظهرت قبل الاحتلال الصليبي للقدس. أما التفسير الذي يقدمه الكتاب لهذه الفضائل فهو الاحتفالية الإسلامية الدائمة بالمقدسات الثلاثة «القدس ـ المدينة ـ مكة».
واستمرت كتب فضائل القدس في العهود الأيوبية والمملوكية والعثمانية، وكانت هذه الكتب رافداً روحياً ودينياً يرافق الصراع العسكري والسياسي الطويل على القدس. بحيث أضيفت إلى تلك الفضائل: توثيق وتمجيد سيرة صلاح الدين، حروبه في تحرير القدس، وصف للأجواء الاحتفالية التي رافقت الفتح الصلاحي.
أما اليوم، وعلى يد الحركة الصهيونية، فقد تحولت القدس من مدينة للسلام إلى مدينة «للكراهية والحقد»، وذلك بعد استكمال احتلالها في الخامس من حزيران عام 1967 م. حيث أخذت سياسة الفتك بالوجود الإسلامي، تأخذ مداها على مرأى من العالم أجمع.
المؤلفان في سطور
شمس الدين الكيلاني باحث ومفكر سوري ومهتم بتاريخ القدس. من أهم مؤلفاته: الآخر في الثقافة العربية ؟ صورة شعوب الشرق الأقصى 2009، رمزية القدس الروحية ؟
قداسة المكان - اتحاد الكتاب العرب 2005، من العود الأبدي إلى الوعي التاريخي 1998، الطريق إلى القدس 2000، الجماعة وتحولاتها السياسية العربية الإسلامية في فكر رضوان السيد 2009، مصير الجماعة العربية نقد فكر سمير أمين 1997.
محمد جمال باروت باحث ومفكر سوري له العديد من الكتب والأبحاث والدراسات وينشر في العديد من الدوريات العربية. من أهم مؤلفاته: الحداثة - دراسة نقدية 1993، يثرب الجديدة - دراسة في الحركات الإسلامية المعاصرة 1994، حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر1994، الدولة والنهضة والحداثة مراجعات نقدية
الكتاب: القدس في الوعي التاريخي العربي الإسلامي بين التاريخي والفضائلي
تأليف: شمس الدين الكيلاني محمد جمال باروت
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2009
الصفحات: 288 صفحة
القطع: الصغير
د. رشيد الحاج صالح

