يحاول بيار مصطفى سيف الدين مؤلف كتاب (تركيا وكردستان العراق: الجاران الحائران ) تحليل وتقييم سياسات تركيا في الواقع الكردي في العراق وتركيا، موضحاً العوامل والأسباب التي جعلت تركيا تنحى منحيً جديداً في سياستها نحو الأكراد.

ويرى سيف الدين بان تأثير القضية الكردية في السياسة الخارجية التركية تعاظم منذ الربع الأخير للقرن العشرين، بسبب التطورات الداخلية التي شهدتها الساحة التركية نفسها إثر قيام حزب العمال الكردستاني، والمتغيرات الدولية والإقليمية الكبيرة التي شهدها العالم ومنطقة الشرق الأوسط متمثلة في انهيار الاتحاد السوفيتي واجتياح العراق للكويت وحدوث الانتخابات المحلية (الإدارة الذاتية) في كردستان العراق واتخاذ (العمال الكردستاني) جبال قنديل ملاذا للقيام بمواجهات عسكرية ضد تركيا. إذ دفعت المستجدات الجديدة بالقضية الكردية إلى الواجهة في السياسة الخارجية التركية لتتبوأ تدريجياً مكان الأولوية كتهديد جدي لمنظومة الأمن التركية.

مصطفى كمال أتاتورك(أبو الأتراك) وباني تركيا الحديثة،استطاع خداع بعض ساسة وزعماء الأكراد، فادعى أتاتورك بأنه «منقذ كردستان» وسيبذل الجهود في إعطاء الكرد حقوقهم. ولم تقتصر سياسة أتاتورك على هذا الحد بل أمتدت إلى حد ؟

مثله مثل السلطان عبد الحميد - تحريض الأكراد على الأرمن، وحذرهم من ان «الأرمن سوف يؤسسون دولة يدعمها الحلفاء على حساب كردستان». وتزامنا مع هذا أبرق أتاتورك إلى نائب كردي (والي دياربكر) في برقية سرية، بضرورة محاربة وحل كل الجمعيات التي تهدف إلى « زرع الشقاق في البلاد» وبالأخص «النادي الكردي» و«كرد تعالي جمعيتي».

استطاع أتاتورك التأثير على الأكراد وذلك لاستبعادهم من بريطانيا خوفاً منه باستغلالها الواقع الكردي وإبعاد يد الأتراك كليا من الموصل. في ظل عجز البريطانيين على فعل أي شيء.

وأدى التجاهل الدولي لكردستان أثر ضغوطات أنقرة إلى تشديد الخناق على حكومة كردستان الفتية، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية وتفشت البطالة، وبالتالي إلى مضاعفة التوتر القائم أصلا بين الحزبين الكرديين الحاكمين و المتنافسين تقليدياً. شلت الأوضاع المستجدة الحكومة الكردية بعد تجربة اقل من سنتين وعرضتها لنكسة خطيرة في عام 1994 بنشوب الحرب بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني .

وأثيرت من جديد مخاوف الأكراد من احتمال تكرار تجاربهم المريرة مع القوى العظمى وتحديدا أميركا، بل اقتنعوا بعدم جدية بيل كلينتون في الإطاحة بصدام حسين، وذهبوا إلى حد مقارنة سياسة كلينتون بتجربة كيسنجر في استخدام الكرد لإضعاف البعث العراقي لا غير.

وفي الوقت الذي تهتم تركيا في الوضع الإقليمي وتسعى لبناء حلف نشط يساهم في استقرار المنطقة وليكون بديلا عن التطاول الدولي، ولعل رفض تركيا مشاركة إسرائيل في المناورات الأطلسية الأخيرة.

وتصريحات أردوغان الذي أدلى بها في طهران ودعوته إلى بناء تكتل إقليمي قوي ليكون بديلا عن الوجود الغربي هو دليل على إنها في وضع على غير ما كانت عليه في السابق إلا انه مهما كانت الأوضاع مهيأة لها لتأخذ دورا رئاسيا في هذا الحلف(أو التكتل) فان دورها سيبقى ناقصا ما لم تحل مشاكلها مع أكراد العراق وتكون شفافة في سياستها تجاه كركوك والموصل خصوصاً أن تطور القضية الكردية مناسب مع سياسة «تركيا العلمانية».ويقول سيف الدين بان سياسات تركيا لم تتغير تجاه مسألة كركوك والموصل والأكراد.

ويذكر موقف رئيس تركيا عبدالله غول « أنقرة لا تستطيع تجاهل مصلحة الأقلية التركمانية في شمال العراق والتي تشكو من تعرضها للاضطهاد من جانب الأكراد»، هذا بالرغم من أن القضية الكردية خرجت من طور الأقلمة و«الشأن الداخلي» خصوصاً في تركيا والعراق، فبالنسبة لتركيا فان طريقها الشاق إلى الاتحاد الأوروبي يمر عبر ديار بكر-عاصمة الكرد الثقافية- حسب أحد الزعماء الأتراك، أما كرد العراق فان دورهم المحوري في المنطقة وفي إعادة تكوين العراق لا يمكن التغاضي عنه.

يؤكد المؤلف أن التداخل الجغرافي والسياسي والعلاقات التي تربط بين الأكراد على طرفي الحدود وبإمكان كرد العراق لعب دور السلم الأهلي في داخل تركيا وكذلك يقدمون أنفسهم على أنهم نافذة تركيا للعراق ككل.

و يراهن سيف الدين على حكومة أردوغان ويراها معنية أكثر من غيرها إلى تغيير نظرة الدولة إلى الكرد، كون نصف أصواتها جاءت من المناطق الكردية في احدث انتخابات شهدتها تركيا، وإذا كانت تنحدر حقيقةً من جذور وإيديولوجية إسلامية، فان عليها حث «شعب كركوك» بمختلف اثنياته في التعايش بروح من التسامح والأخوة، ورفع الظلم عن جميع المظلومين وليس تفضيل طرف على حساب طرف آخر.

المؤلف في سطور

بيار مصطفى سيف الدين أكاديمي كردي عراقي. مدرس في جامعة دهوك. له عدد من المقالات والأبحاث السياسية عن الشأن الكردي والتركي والعراقي منشورة في الصحافة العراقية والكردية.

العلاقة المتوترة

يؤكد بيار مصطفى سيف الدين تعاني علاقة الأكراد بتركيا منذ الحرب الأخيرة ولعل سبب ازدياد التوتر والفتور في علاقات اقليم كردستان العراق بتركيا يعود إلى غياب الحوار وعلاقات مباشرة بين الطرفين، كتلك الموجودة في التسعينات، فاللقاءات الثنائية تساعد على تقارب وجهات النظر وإيجاد حلول مناسبة للمشاكل والمسائل العالقة التي تهم الطرفين، كمسألة كركوك.

الكتاب: تركيا وكردستان

العراق: الجاران الحائران

تأليف: بيار مصطفى سيف الدين

الناشر: دار الزمان دمشق 2009

الصفحات: 224 صفحة

القطع: الكبير

فاروق حجي مصطفى