عائلة «البطش» من العائلات الأصيلة في حيّ الكلاسة في مدينة حلب السورية ، وأغلب أفرادها يمتهنون مهنة البناء. كان لعمر البطش ذائقة رفيعة وذاكرة ممتازة، اختزنت ما حفظه وتلقاه عن خاله، وما سمعه من أعلام سفن الألحان (كان يحفظ 4 سفن، كل سفينة تضم حوالي 500 موشح). هذه الرحلة التي بدأها مع خاله، قادته إلى شيوخ الفن في حلب.

حيث أخذ عنهم ما تتطلبه الموهبة والإبداع من علوم ومعارف في الموشحات وعلم النغمة والأوزان ورقص السماح، ومن هؤلاء: «أحمد عقيل» و«أحمد المشهدي» و«صالح الجذبة» و«مصطفى المعظم» وغيرهم، كما تعلم على آلة العود وعلى بعض الآلات النغمية والإيقاعية الأخرى. في عام 1912 شكل «جوق» فني مؤلف من أشهر الفنانين في حلب، وسافر إلى العراق لإحياء بعض الحفلات، ومن هناك اتجهت الفرقة إلى «المحمرة» على شاطئ العرب «عربستان» حيث تلقت دعوة من حاكمها الأمير «خزعل» الذي كان مغرماً بالأدب والفن، لتغني له الفرقة الموشحات والقدود الحلبية والمواويل والقصائد.

وبقيت الفرقة قرابة السنتين، وما كادت غيوم الحرب العالمية الأولى عام 1914 تخيم على المنطقة، حتى حزمت الفرقة أمتعتها وعادت إلى حلب: وعاد عمر بمكاسب فنية لا تحصى، فقد توسعت معارفه بالإطلاع على الموسيقى والأغاني، في تلك الدائرة الفنية العراقية والخليجية والفارسية والهندية.

استدعي للخدمة العسكرية إبان الحرب الأولى، فخدم في دمشق، ثم عاد إلى حلب ليهجر مهنة البناء، وهو في حوالي الثلاثين من عمره، ليبدأ العمل كضابط إيقاع في مسارح حلب الغنائية.

ومن الفرق التي عمل معها عمر البطش ضابط إيقاع: فرقة ماري جبران وفرقة زكية حمدان. كانت الزوايا والتكايا بحلب، ولا تزال، بمثابة معاهد موسيقية يتلقى فيها مريدوها أصول الإنشاد وعلوم الأنغام والأوزان بشكل عملي تطبيقي (بلغ عددها حوالي 40 زاوية وتكية).

كان «عمر البطش» يتردّد على الزاوية «العقيلية» في حارة «المحب» ومن هذه الزوايا والتكايا انطلقت أعذب الأصوات شيوخ الطرب الحلبي، وعمل فيها وتخرج أعمدة الفن الموسيقي بحلب، وكانت مقصد الناس على اختلاف طبقاتهم، يغسلون تعب النهار ويجلون صدأ القلوب بالاستماع، وأهل حلب مغرمون بهذا الفن، يسلطون على النغم الجميل، فيطلقون عبارات التجلي والاستحسان والاستزادة.

ظل «عمر البطش» يدرّس في داره الموشحات ورقص السماح إلى أن افتتح معهد الموسيقا الشرقية في دمشق عام 1943، فدعي للتدريس فيه، ودرّس في المعهد الموشحات ورقص السماح وأسس فرقة غناء ورقص السماح، وقد درّس في هذا المعهد نخبة من أعلام الموسيقى والغناء في حلب، وفي عام 1945، أصيب بمرض في عينيه، تفاقم حتى خشي من فقد البصر، وأنشد هذه القصيدة التي مطلعها هذا البيت تضرعاً إلى الله:

ضياء عيني لا تغب عن عمر

مدّاح طه المصطفى خير البشر

كما يروي تلامذته أنه لحّن في هذه الفترة موشحه المشهور:

غاب عن عيني ضياها

يا قمر دار العيون

بعد إغلاق المعهد بدمشق عام 1949، عاد عمر إلى حلب، وكانت الإذاعة قد افتتحت فيها عام 1948 م، وعمل مديرها الأستاذ «فؤاد رجائي» على استقطاب الأسماء الفنية المخضرمة والشابة، كما دعا عمر إليها لتدريب مطربيها والمساهمة في برامجها.

وقد عمل رئيس فرقتها الموسيقية «انطوان زابيطا»على تدوين موشحات البطش، وشكلت فيها ثلاث فرق، أعطاها لأسماء الموسيقيين في حلب، نال منها «عمر البطش»شرف أن تسمّى إحدى الفرق باسمه.

قرر عمر البطش ترك العمل في المسرح، هذا كان قبيل خمس عشرة سنة، من وفاته، والاقتصار على عمله في الأذكار والموالد النبوية، ولازم الأذكار، واصطفى بعض تلاميذه يعلمهم في داره الموشحات والأوزان ورقص السماح.

في السنة الأخيرة من حياته ظهر عليه التعب، وفي الأسبوع الأخير ألحّ عليه المرض وأصيب بالشلل، ويوم الاثنين، الثاني من ربيع الأول سنة 1370 ه، الحادي عشر من ديسمبر 1950 م، توفي الفنان الكبير «عمر البطش» ودفن في مقبرة الحي تجاه داره وحضر الدفن بعض من أصدقائه، وبوفاته انطوى علم لا نعلم أن تاريخ فن الموشحات قد جاء بمثله.

الموشحات الحلبية و«عمر البطش»:

اشتهر «عمر البطش» بغزارة إنتاجه ومتانة سيرورته لما في موشحاته من جذب وجمال ورشاقة وطرب يلائم ذوق العصر، لحن حوالي 134 موشحاً، من مختلف النغمات والأوزان، دُوِّن منها بالكتابة الموسيقية ثمانون موشحاً والباقي حفظته الفرق الموسيقية، يضاف إلى ذلك أن الدكتور «فؤاد رجائي» أمر بتدوين موشحاته فكان «عمر» يغني الموشح والفنان «محمد رجب» رئيس قسم النوطة يدوّن موسيقى، لأن آلات التسجيل لم تكن قد وجدت في تلك الأيام في الإذاعة.

أدرك البطش روح العصر فأعطى أهمية كبيرة للطرب في الموشح من غير أن يهمل دور المجموعة، وقام بتهذيب أدائها وتطويرها وتعديل زمن أدائها، إضافة إلى سرعة إبداعه، وهذا ما حدث له مع الراقصة المصرية حين اخترع وخلال متابعته لحركة جسدها وزن «ثريا» ثم أتبعه بموشح فيه جادت به اللحظة، حين طلبت منه ذلك.

ومنها أيضاً أن «فخري البارودي» طلب منه تلحين ثلاثة موشحات، وأعطاه نصوصها، ففوجئ به في اليوم التالي وقد لحنها بغاية الجمال والبراعة.

كذلك لحن وصلة كاملة من الموشحات من نغمة «الزنجران» الصعبة المرتقى، العزيزة المنال، كما لحّن وصلة «نكريز» وتتألف من خمسة موشحات، ولحّن وصلة «نهاوند» والتي تعتبر آية في الفن والإبداع، لقد لحن السلسلة من نغمات النهاوند والشعار والرمل والحجاز كار كردي ثم عاد إلى النهاوند، ولحّن وصلة «راست»، موشحه الأوّل من وزن المخمس، حين حج إلى بيت الله، والذي مطلعه:

هذي المنازل نخ يا سائق الإبل وانزل بعيسك بين البان والأسل. ويذكر تلامذته وأساتذة هذا الفن أنه كان يلحن الموشح على جميع المقامات، وعمل مع «سيد درويش» في موشح واحد، ومن المعلوم أن سيد درويش ترك موشحات بلا خانات، واقتصر في التلحين على البيت الأول «القفل».

وأن تلحين الخانة هو اصعب من تلحين الأصل بضرورات تحقيق الانسجام الفني بين النغمات في حدود الإيقاع، وتابع العمل في هذا الاتجاه، مما حقق التكامل في العمل الفني، وأصبحت هذه الموشحات بأقفالها «الدرويشية» وخاناتها «العمرية» على ألسنة المطربين والمنشدين، وحققت خلودها الفني.

وممن زار حلب وغنى فيها الفنان «محمد عبد الوهاب»، وقد اجتمع خلالهما بأمير الموشحات «عمر البطش» مرتين، وفي إحدى المرتين سأل عبد الوهاب يختبر الموسيقيين في حلب، بأنه لم يسمع موشحات من نغمة «السيكاه» الأصلية، فقال له «عمر»: نعم يوجد، غداً نسمع نغمة «السيكاه»، وفعلاً اسمعه في المرة الثانية الموشحات التي على هذه النغمة.

ترك عمر البطش العمل في المسارح، ومال إلى التقرب إلى الله بوضع الموشحات والأناشيد والمدائح الدينية التي كان يزوّد بها فرق الإنشاد، وتتميز أعماله الدينية بالجمال والرشاقة والسموّ، وبقدرتها على تحفيز مشاعر الجلال والصفاء والمحبة الإلهية، وهي عبارة عن أدوار تشبه الدور المصري في تلويناته وجمالياته وإيقاعاته، وهي موزونة بدقة وبراعة.

البطش في سطور

ولد «عمر بن إبراهيم البطش» عام 1885 م، وكغيره من أبنا ء الحي، أرسله أبوه إلى الكتاب ليتعلم القراءة والكتابة والدوبيا «علم الحساب» والتجويد، وما إن أنهى ختمه للقرآن، حتى أخذه إلى صنعته ليتعلم هذه المهنة، ولما كبر قليلاً، وجد خاله، الحاج بكري القصير، وهو فنان ومنشد وحافظ، أن فيه ميلاً ليتعلم الفن، أخذ يصحبه معه إلى الأذكار وسهرات البيوت، التي فيها تنشد الأغاني، وقد اشتهر خاله بصوته الحسن وإنشاده المتقن وترؤسه لنوبة مشايخ الطرق.

فيصل خرتش