قلة هم من يعرفون أن في البيت الأبيض متحف فني زاخر بلوحات كبار الرسامين، حيث أقيم حتى الآن معرضان فنيان هامان. وللمتحف المصغر في البيت مستشاروه الفنيون وميزانيته التي يوافق عليها الكونغرس.

كما تزين الأعمال الفنية غرف البيت وصالاته وأقبيته الشهيرة، وتمثل بعض اللوحات تاريخ الولايات المتحدة ونضال الشعب الأميركي. أغلب اللوحات المعلقة على جدران البيت الأبيض قدمت كهدايا، إما من أفراد وإما من هيئات ودول؛ لذا تميزت مقتنيات البيت الفنية بالتنوع على مختلف الصُعُد. ويمكن القول إن جميع الرؤساء الذين حكموا الولايات المتحدة وسكنوا البيت الأبيض ساهموا بشكل أو بآخر في إغناء هذه المجموعة الفنية المتميزة. البورتريه الأول الذي رسم لرئيس الولايات المتحدة، كان لجيلبرت ستيوارت، وصور بشكل مثالي وهو يؤدي وظيفة واحدة، وهي تأكيد الهوية القومية للولايات المتحدة.

قال الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت «لن أنسى أبداً أنني أعيش في بيت يملكه جميع الشعب الأميركي». وكان يعني بذلك أنه مهما اختلف الأميركيون في وجهات نظرهم السياسية ومصالحهم وخلفياتهم إلا أنهم يشتركون في التاريخ والمواطنة. ومن المعروف أن المجموعة الدائمة الثابتة في البيت الأبيض تضم أعمالا كلاسيكية رائعة من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كما يؤكد خبير البيت الأبيض في الديكورات ميكائيل سميث. أما اللوحات التي تمت استعارتها فهي تمثل جسراً بين التاريخ وأصوات الفنانين من القرن العشرين والحادي والعشرين. وشهدت أروقة البيت الأبيض تنوعا وتبدلا في الأذواق الفنية على مر السنوات، فعلى سبيل المثال، ركزت جاكلين كنيدي على الفنون الجميلة، وسارت على خطاها الليدي بيرد جونسون. وأضافت باتريسيا نيكسون 18 بورتريه للرؤساء والسيدات الأول لكي تؤرخ لحكمهم وما أنجزوه من أعمال للولايات المتحدة.

وقد اهتمت كل من اليزابيث فورد، وروسالين كارتر، ونانسي ريغان وباربارا بوش باللوحات الفنية على وجه التحديد. وقد تميزت هيلاري كلنتون من بين سيدات أميركا الأول بتكريس وقتها وطاقتها لتعزيز هذه المجموعة الفنية. وقد ازدحم البيت الأبيض بالأعمال الفنية لدرجة دفعت المسؤولين إلى تنظيم معرضين هامين في القرن العشرين، خاصة في النحت الأميركي، ويمكن مشاهدة هذه اللوحات على الانترنيت، باعتبارها ملك لجميع الناس. ولا يمكن للرؤساء أن يختاروا الأعمال الفنية دون التخطيط، والتنسيق مع فريق من الخبراء، الذين لهم الكلمة الفصل في هذا الاختيار. ويقوم الخبراء بتقييم الأعمال الفنية وتدقيقها مخبرياً خوفا من التزييف والاحتيال.

ومن الخبراء القيمين في البيت الذين لهم مكانتهم في الوسط الفني لورلين بيارس، ووليم ايدلر، جيمس كيتشهام، كليمانت كونغر وبيتي مونكمان، والأخير الخبير الحالي في البيت الأبيض.

والديكورات التي تجرى في البيت الأبيض، لا تتجاوز الإضافات إن صح التعبير ولا تمس الهيكل العام الذي يزيد عمره عن القرنين. أما القطع الفنية فيمكن أن تأتي لتبقى بصورة مؤقتة، ومصدرها متحف واشنطن.

تنحصر صلاحية الرئيس في وضع أية لوحة على جدران البيت الأبيض، أما اللوحات التي توضع في الغرف العامة مثل الغرفة الخضراء، فيجب أن يوافق عليها خبير الديكورات واللجنة الخاصة التي ترأسها زوجة الرئيس بمنصب فخري.

ويؤكد وليام المان، رئيس فريق الطاقم الفني في البيت الأبيض، أن اللوحات الفنية التي تبقى خارج الجدران أو الاختيار، تنضم إلى المجموعة الفنية الثابتة للبيت الأبيض والتي يجب أن تمر بسلسلة من الإجراءات والاستشارات الفنية قبل الموافقة عليها، خاصة تلك التي تأتي كهدايا أو منح.

ولكي ينضم أي عمل فني إلى مجموعة البيت الأبيض يجب أن يكون يتجاوز عمره 25 عاماً. وألا يكون الفنان على قيد الحياة لأن ذلك من شأنه التأثير على قيمة اللوحة.

ومجموعة اللوحات الموجودة في البيت الأبيض ليس عبارة عن غاليري أو متحف، فالناس الذين يأتون مرة واحدة في حياتهم لزيارة البيت الأبيض يمتلكون تصوراً عما يشاهدونه من لوحات.

ويحق لكل رئيس جمهورية في الولايات المتحدة كما ذكرنا أن يختار القطع الفنية التي يضعها في أروقة البيت الأبيض في فترة رئاسته، وعليه قام الرئيس أوباما وزوجته ميشيل بالتركيز على الفن المعاصر بشكل خاص وهو ما لم يفعله الرؤساء الآخرون. وقد أضفى ذوقه تميزا لشخصيته، لا سيما وأن الرؤساء السابقين كانوا يختارون اللوحات الكلاسيكية التقليدية ولم ينتبه أحد منهم إلى الفن المعاصر، وخاصة الفن التجريدي.

وقد وجه أوباما نداءً إلى المتاحف والغاليريات وأصحاب المجاميع الفنية يوضح فيه رغبته في استعارة الفن الحديث من خلال الفنون الأفريقية والآسيوية والاسبانية بهدف تزيين البيت الأبيض بها، وكسر الصورة الكلاسيكية التقليدية للبيت الأبيض. ومعظم اللوحات الفنية الموجودة في البيت الأبيض تعود إلى القرن التاسع عشر، وتضم إما لوحات بورتريه وإما مناظر ريفية وطبيعة جامدة.

كان لاختيار الرئيس الأميركي أوباما، تأثير كبير على سوق الفن وأسعار اللوحات الحديثة؛ إذ سرعان ما قدمت المتاحف والغاليريات وأصحاب المجاميع الفنية عروضها من أجل اقتناء لوحاتهم من قبل البيت. وعلى سبيل المثال، أثنى أوباما على اختيار كلنتون للوحات من الفنان الأفريقي الأميركي سيمي كنوكس، المنحدر من الباما والذي رسم بورتيهات له ولزوجته.

وقد وافق بوش على اقتناء البيت للوحة « المشيدون»، وهي لوحة تعود إلى الفنان الأفريقي الأميركي جاكوب لورانس، وإن وجه إلى هذه اللوحة انتقاد لكونها تصور السود العاملين في المناجم.

وقد قام أوباما مؤخراً بتعليق سبع لوحات من متحف هيروشيما ومتحف حديقة المنحوتات في واشنطن في البيت الأبيض، من ضمنها لوحات «ضوء السماء» و«الحافة الحادة» وهما لوحتان تتكونان من اللونين الأزرق والأصفر التي رسمها الفنان التجريدي الأفريقي الأميركي الما توماس الذي عُرف بلوحاته الهندسية ذات الألوان البراقة.

وقام الغاليري الوطني للفنون بإعارة أوباما خمسة أعمال فنية من ضمنها منحوتات للفنان جاسبر جونز ولوحات لريتشارد دايبنكون وإدوارد روشا. وقد وُضعت منحوتات جاسبر جونز في البيت الأبيض في حفل تدشين دخول الرئيس الأميركي أوباما.

كما أحضر أوباما وزوجته جزءاً من الأعمال الفنية الخاصة بهما من منزلهما في شيكاغو، وهي مجموعة قيمة من الفن الآسيوي والأفريقي. ومن القطع الفنية التي سيتم وضعها في عدد من الغرف الخاصة والمكاتب بالبيت الأبيض لوحة للفنان إدوارد روشا بعنوان «أعتقد أنني..»، وهناك أيضا لوحات للفنانين الأميركيين المعاصرين جاسبر جونز وألما توماس.

كما تمت استعارة قطع فنية من ناشيونال غاليري ومتحف سميثونيان، وهو ما يعد تقليدا متبعا بين البيت الأبيض والمتاحف في واشنطن بدءاً من أربعينيات القرن الماضي. والمعروف أن جاكلين كيندي استعارت من المتحف لوحة «المدخنة» للفنان يوجين دولاكروا ووضعتها في الغرفة الحمراء في البيت الأبيض، بينما استعارت ليدي بيرد جونسون لوحات ألوان مائية من معهد سميثونيان ووضعتها في مكاتب البيت الرئاسي.

وقام بيل وهيلاري كلينتون باستعارة لوحتين للفنان الأميركي من أصول أفريقية ويليام اتش جونسون: «مشهد شعبي» و«ارفع صوتك بالغناء»، وهما لا تزالان معروضتان في البيت الأبيض حتى الآن. وبإضافة لوحتين أصبح في البيت الأبيض تسعة أعمال مستعارة من متحف هيرشورن وسكالبتر غاردن، بالإضافة إلى أربعة أعمال للفنان جونسون من ممتلكات متحف سميثونيان للفن الأميركي.

جمعت اختيارات أوباما بين فنانين مشهورين مثل، جاسبر جونز ومايكل روثكو، وفنانين صاعدين مثل الفنان التجريدي ألما توماس. وتعلق ميشيل أوباما في مكتبها لوحة بعنوان «البيضة الصلبة» للفنان توماس واتوسي وهي معارة من متحف هيرشورن، وتتميز بخليط من الألوان القوية والأشكال الهندسية، وزينت حجرة المعيشة في الجناح الخاص بالعائلة بلوحة مستعارة أيضا من متحف هيرشورن للفنان غلين ليغون بعنوان «أسود مثلي».

ويستشير أوباما خبير الديكورات ميكائيل سميث في اختيار نحو 40 لوحة من المحتمل أن يتم شراءها أو استعارتها لبيت الأبيض. ويؤكد خبيره أنه يفضل أن يأخذ اللوحات الموجودة في المخازن وليس اللوحات المعروضة في الغاليريات.

وكان أوباما قد استعار قبل فترة قصيرة لوحة «نايس» التي تعود إلى عام 1945 للفنان الروسي المولد، نيكولا دي ستايل، التي تحتوي على الألوان الحمراء والسوداء والخضراء. وهناك لوحة للفنان الألماني المولد دوزيف البيريس، الذي رسم سلسلة من اللوحات في شكل ذهبي، إلى جانب لوحات الفنان الشهير ادغار ديغا.

وعلق الفنان ليغون، وهو أميركي ـ أفريقي، على اختيار أوباما للوحته تلك قائلاً: «إن موضوع اللوحة يتوافق مع محاولات الرئيس لخلق حوار وتفاعل بين الأعراق واختياراته تمثل جسرا للتحاور مع حضارات أخرى».

واستبشر وسطاء بيع اللوحات خيراً باهتمام الرئيس أوباما بالأعمال الفنية الحديثة لأنه يشكل دفعة تشجيع للفنانين المعاصرين لدخول أعمالهم البيت الأبيض.

الموافقة أولاً

إحداث أي تغييرات في الغرف التاريخية من البيت الأبيض، مثل الغرفة الزرقاء أو غرفة الطعام الرئاسية يجب أن ينال موافقة لجنة الحفاظ على البيت الأبيض وليس خاضعاً لرغبات الرئيس وزوجته، وما قام به أوباما هو خارج هذين المكانين المقدسين فنياً.

بدأ اهتمام أوباما بالفن الحديث قبل استقراره في البيت الأبيض. ويتميز منزله بوجود لوحات من الفن الحديث والصور بالأبيض والأسود، مما يعكس اهتمامه بذلك قبل انتخابه رئيساً للولايات المتحدة وذلك حسب شهادات عدد من أصدقاء الرئيس في شيكاغو.

شاكر نوري