كيف هو مشهد القصة القصيرة العربية راهناً؟ كيف هم شبابه ورواده؟ كيف يرى النقاد هذا المشهد وكيف يقيمون حركته؟ تساؤلات كثيرة طرحها النقاد وحاولوا الإجابة عليها في أطروحاتهم التي تم جمعها في كتاب واحد وصدر مواكبا ومتابعا لملتقى القاهرة الدولي للقصة العربية القصيرة الذي عقده أخيرا المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة.

وحضره نخبة كتابها ونقادها من مختلف البلدان العربية.الكتاب الذي ضم بين دفتيه المشهد من المحيط للخليج قدم قراءات في القصة القصيرة في كل البلدان العربية: مصر، العراق، سوريا، المغرب، السودان، الإمارات، تونس، الأردن، فلسطين .. إلخ.وانطلاقا من الراهن توقفنا عند ما يخصه، حيث جاءت القراءات راصدا لعموم المشهد منذ ولادة القصة القصيرة في هذا البلد العربي أو ذاك وتطورها حتى الجيل الحالي، كذلك لاتساع المشهد توقفنا عنده في : الإمارات، واليمن، والسودان، والبحرين، وتونس، والمغرب.

المشهد الإماراتييرى د.علي المانعي أستاذ النقد الأدبي الحديث جامعة صحار بسلطنة عمان أن القصة الإماراتية في نهاية السبعينيات بدأت رحلتها الجديدة المعاصرة، وحققت بعض الأسماء تجارب جديدة لا على المستوى المحلي بل على المستوى العربي أيضا، وخرجت معظم قصص هذه الفترة من نمطية الشكل والسطحية في الطروحات إلى محاولات تجاوزت تلك المرحلة لتنسب إلى التجربة القصصية العربية المعاصرة بأشكالها المختلفة.ويضيف: ما بين 1979 وبداية الثمانينات صدرت مجموعات قصصية لعدد من الكتاب الذين شكلوا الريادة مع استمرار متجدد في الكتابة إلى أيامنا هذه، من مجموعاتهم في تلك الفترة مجموعة «الخروج على وشم القبيلة» لمحمد حسن الحربي، و«السباحة في عيني خليج متوحش» عبد الحميد أحمد، ومجموعتي «ذلك الزمن»، و«زلة العذارى» لعبد الرضا السجواني.

ومجموعات «حب من نوع آخر»، و«الفرصة الأخيرة»، و«صداقة» لمحمد المر، و«الخيمة والمهرجان والوطن» لليلى أحمد، وغير هذه المجموعات صدرت قصص عدة لأسماء بارزة في ساحة الصحافة أمثال مريم جمعه مريم، وسلمى مطر سيف، وأمينة عبد الله بوشهاب، وسعيد سالم الحنكي وغيرهم.ويقول المانعي: الألفية الجديدة أفرزت مجموعة من الأصوات القصصية الإماراتية الشابة، منها من أصدر مجموعة ومنها من اكتفى بالنشر بالصحافة المحلية والإقليمية، ومن هذه الأسماء إضافة إلى من ذكروا: سارة نواف، ريا مهنا، أسماء الكتبي، أمينة بو شهاب، فاطمة السويدي، فاطمة المزروعي، محسن سليمان، يوسف الحسن، باسمة يونس، .. إلخ.

شكلت مجموعة من الأصوات السردية حلقة وصل بين الجيل القديم والجيل الجديد، وحركة القصة العربية، ومن بين هذه الأسماء سعاد العريمي، حارب الظاهري، وإبراهيم مبارك وناصر الظاهري وغيرهم من الذين أظهروا نشاطا قصصيا في ساحة القصة الإماراتية.

ويلاحظ المانعي نموا كبيرا لأدب المرأة في الإمارات الذي فاق ـ في رأيه ـ الإنتاج الذكوري في العصر الراهن، ويقول: يرى المتابع للإصدارات القصصية الإماراتية تنامي سيطرة المرأة في الإنتاج وبروز دورها الفاعل والنشط بالصحف والمجلات المحلية والعربية، وهذا لا ينافى وجود أسماء رجالية بلغت من الشهرة الكثير محليا وإقليميا، إلا أن النشاط والسيطرة في ساحة القصة القصيرة تتجه لمجرى القلم النسائي.

المشهد اليمني

يرى الناقد د.إبراهيم أبو طالب رئيس قسم اللغة العربية بكلية التربية جامعة صنعاء أن القصة القصيرة اليمنية الآن قد حققت حضورا عربيا لافتا وخروجا عن المحلية، واستطاعت بتجارب كتابها الشباب أن تصل إلى مستوى متقدم في المشهد القصصي العربي الراهن.

وقال أبو طالب: أبرز ما يميز هذه المرحلة هو الثراء النصي والتزايد المطرد في عدد الكتاب خلال هذه المرحلة الأخيرة من مسيرة القصة القصيرة اليمنية، وكذا عدد المجموعات القصصية التي بلغت أكثر من مائة وخمسين وأربعين مجموعة خلال المرحلة التي ما زالت مفتوحة تمثل بذلك غلبة واضحة لما أنتج عبر المرحلتين السابقتين مجتمعتين، إضافة إلى ما ينشر في الصحف والمجلات التي قد يصعب حصرها واستقصاؤها.

المشهد التونسي

ويرصد الناقد د.محمد بن محمد الخبو أستاذ الأدب بكلية الآداب والفنون بتونس بعض ملامح مشهد القصة القصيرة التونسية فيقول: إن للإقصوصة التونسية صفات وسمتها وهي صفات لها بالأصول أسباب وأنساب، ومما رأيناه بارزا فيها من هذه الصفات واقعيتها في تناول اليومي من القضايا.

وهي واقعية صاغها ما سميناه سردا متمكنا وصل في نطاقها المكان بالشخصية التي كانت تأتي من الأفعال ما يتلاءم وطبيعة الفضاء الذي تتحرك فيه، ومن الصفات أيضا نزوع فريق من الأقصوصيين إلى تحويل التفاصيل إلى رموز ضمن ما سميناه سردا رامزا رأينا أنه تجسد في توظيف عناصر تراثية أو أسطورية.

وقد تبين لنا جانبا من الأقاصيص قد سلك أصحابه سبيل التجريب المفضية إلى إفراغ السرد من سرديته المألوفة وذلك لمحاكاته فنونا أخرى كالرسم، أو أجناسا أدبية من قبيل الشعر وهذه السمات ليس مخصوصا بها أقصوصي دون آخر، فقد تجدها عند هذا الأقصوصي أو ذاك إذ ما يمكن اعتباره سمة الأقصوصة التونسية أن الأقصوصي الواحد قد يكتب بكل الأساليب التي ذكرنا في المجموعة الواحدة.

وقد انتهينا إلى أن ما رأيناه من سمات في الأقصوصة التونسية لم يكن بمنأى عما هو قائم في عديد الأقاصيص العربية مشرقا ومغربا من جهة الأشكال والهموم المحمولة فيها، ولاسيما البحث عن الانفلات من القيود والانحباسات المتعددة الوجوه في البلاد العربية.

المشهد السوداني

تؤكد الكاتبة والباحثة بثينة خضر مكي أن القصة القصيرة الآن من أهم المنجزات في المشهد الأدبي في حركة الثقافة المعاصرة في السودان، وتقول : لقد تطورت كثيرا من حيث التحديث في الشكل والمضمون واللغة المستخدمة في النصوص مع الانفتاح على جدلية الحداثة والإبداع وتوظيف التراث الشعبي في مفاهيم تطور الشخصيات وموازاتها بالواقع السردي.

وتضيف: كانت انقسامات الهوية القومية ومشكلات الأفرو ـ عربية تتجسد في الشعر عند الشعراء مثل محيي الدين فارس، وصلاح أحمد إبراهيم، والفيتوري في الستينيات، لكنها تبينت واضحة بصورة أقوى في السرديات في المرحلة ما بين 1999 ـ 2009 خصوصا عند الكتاب الذين نشأوا وسط الأقليات العرقية.

كما أن الكثيرين من كتاب القصة انصرفوا عن كتابة قصص الحب الرومانسية واتجهوا إلى الكتابة عن عوالم المسحوقين والمهمشين لا فرق في ذلك بين كتاب شمال السودان وجنوبه، واهتموا بمعالجة موضوعات شائكة وحيوية مما أدى إلى تشكيل الوعي الوطني في اهتمامهم بمعالجة المشكلات الاجتماعية والسياسية داخل النصوص الإبداعية.

المشهد البحريني

ويرى القاص والروائي عبد الله خليفة الرؤى في كتابة جيل الشباب الراهن القصصية في البحرين مثل جعفر أيمن يوسف ومعصومة على المطاوعة وسعاد آل خليفة، وحسن بو حسن وأحمد المؤذن مغايرة للرؤى الفكرية النقدية في أجيال القصاصين البحرانيين السابقين، فالشخصية كانت في قصص تلك الأجيال كثيفة الحضور في الصراعات الاجتماعية والسياسية، والأحداث ملتهبة في العديد من النماذج وتطمح القصة أن تكشف دلالات واسعة من الحياة.

ويضيف خليفة: جيل السبعينيات الأول تشكل في مناخ صراعي سياسي ملتهب، وانتشرت بينه رؤى حداثية وغدت نماذجه القصصية بؤرها من هذا المناخ، فلم يلتفت كثيراً لـ «القصة العائلية» واستحضر مواد جمالية وترميزية كبيرة في حيز القصة القصيرة فضاقت عليه واتجه إلى الحياة.

الجيل الحالي القصصي يبدأ من عالمه وظروفه ومن أدواته التي في طور التشكل ومن تجربته المخاضية الأولية، ومن هنا فإن شخصياته وحبكاته تعيش في عالم منعزل، عن تطورات وتراكمات القصة القصيرة السابقة، والحياة الاجتماعية والإبداعية، وهو يتحسس طرقه ويغزل خيوطه من تجاربه وأدواته، فيشكلها من مواد حياته وتأملاته في هذا الزمن المختلف.

المشهد المغربي

يقول الناقد د.نجيب العوفي: القصة القصيرة المغربية شهدت في الآونة الأخيرة، سواء على يد الأجيال الجديدة أو بعض الرموز من الأجيال القديمة المخضرمة، تحولا عميقا مس مضامينها كما مس أشكالها، وأهم مظاهر هذا التحول ومؤشراته:

تكسير القصة الجديدة للعروض القصصي بوحداته الموباسانية المعروفة (مقدمة ـ عقدة ـ تنوير)، وعدم أو قلة احتفالها بالمادة الحكائية والحبكة القصصية، وأيضا عدم أو قلة احتفالها أو اهتمامها بالأسئلة والهموم الاجتماعية والسياسية الكبرى التي تأخذ بمخانق المجتمع، وانكفاؤها على الدوائر المنغلقة والأشياء الصغيرة، وجنوحها أحيانا إلى الغموض والتباس الدلالة، واندياح الجملة السردية والوصفية على عواهنها، بلا ضوابط حكائية ملموسة ومتماسكة.

وبلا تفرقة أو تمييز بين الشعري والسردي، وبسيولة لغوية متحررة تفتقر إلى الكثافة والتركيز، علما بأن الكثافة والاقتصاد والتركيز هي من الشروط الأساسية لكل كتابة قصصية جيدة، بغض الطرف عن زمانها ومكانها، وحسب عبارة دالة لرائد القصة القصيرة تشيكوف، فإن «فن الكتابة يتكون بالإضافة إلى الكتابة الجيدة من حذف كل ما هو غير جيد من النص، يجب، بمعنى آخر، التطريز في الورق».

محمد الحمامصي