أثار الفاتيكان زوبعة حول مؤلف «صورة دوريان غري» الشاعر والكاتب الايرلندي أوسكار وايلد، الذي اشتهر بحياة متقلبة. وتتركز قضية الفاتيكان حول إيمان الكاتب ومعتقداته من خلال طرحه قضية مضادة لما هو سائد في التاريخ الأدبي وهي أن أوسكار وايلد اعتنق الكاثوليكية قبل وفاته.

وهذا ما يقوّض انتماؤه للبروتستانتية وتمرده على جميع المعتقدات في حياته. وجاء في جريدة «أوسارفاتور رومانو» الرسمية للفاتيكان على لسان كاتب المقال باولو غوليسانو، بأن أوسكار وايلد اعتنق حقاً الكاثوليكية.ولم تقف الصحافة الأنغلوسكسونية مكتوفة الأيدي إزاء هذه القضية باعتبار أن مقالة الفاتيكان تنسف جملة وتفصيلاً كل ما كُتب عن الشاعر والكاتب الايرلندي من أطروحات وسير ومقالات أدبية والدعوة إلى إعادة النظر في كل التاريخ الأدبي. وفي فرنسا لم تكن القضية أقل سخونة حيث قام ناشر كاثوليكي بنشر كتاب بعنوان «الأنا العملاقة» لدى أوسكار وايلد.

وتقديمه على أساس أنه يمثل «حكاية أنجيليكية شعرية خُصصت للأطفال من سن الثالثة وحتى الثامنة»، وهو الآخر يصب في هذا التوجه. ويقول أوسارفاتور رومانو، كاتب المقال في جريدة الفاتيكان بأن «وراء خفة كتابة أوسكار وايلد ووراء طيشه وبؤسه، يخفي وعياً عميقاً بالقيم الغامضة للحياة». حيث كان هذا الكاتب يبحث على الدوام عن الخالق في أعماق نفسه وخاصة بعد التجربة الأليمة التي أمضاها في السجن ليصل في النهاية إلى مساره الإنساني بالتوافق مع الكنيسة الكاثوليكية. ومن ناحية أخرى، لا يقتصر الأمر على هذا الرأي فقط بل هناك آراء أخرى، دانييل سلفاتور شيفر، وهو خريج الفلسفة ومتخصص في الجماليات، نشر في الربيع مقالة بيبلوغرافية عن أوسكار وايلد الذي أعطى مفاتيحاً مضيئة لهذه المسألة.

ومن القضايا التي طرحها هذا الفيلسوف أن أوسكار وايلد الذي ولد في عام 1854 في عائلة ايرلندية بروتستانتية، بدأ في «مغازلة» الكاثوليكية في عمر الثامنة عشرة عندما كان طالباً في دبلن، قابل الكاردينال جون هنري نيومان، وهو الأنجليكاني ـ خاص بالكنيسة الأنجليكانية أو أحد أتباعها ـ الذي تحول إلى الكاثوليكية.

وتتميز أعماله بذكاء استثنائي مما أغرى الشاب أوسكار وايلد، وزوجة أبيه التي أرسلته إلى الدراسة في جامعة أوكسفورد، التي كانت قلعة مذهب الأنجليكانية الفكرية آنذاك.

وفي هذه الجامعة ولد أوسكار وايلد إلى شخصية اجتماعية عامة بصورة تامة، وهنا بدأ تفكيره بروحه المتشككة. وفي الوقت ذاته كان مسحوراً ومتأثراً بمذهب الرواقية ـ نسبة إلى الرّواق الذي كان يجتمع فيه أتباع زينون، وهي فلسفة تقول ان كل شيء في الطبيعة إنما يقع بالعقل الكلي ويقبل مفاعيل القدر طوعاً ـ .

وكانت غرفته مزينة بصور البابا وتماثيل مريم العذراء. في تلك الفترة، وحسب دانيال سلفاتور شيفر، كان أوسكار وايلد «منجذباً إلى الطقوس الكاثوليكية، وروحه تميل إلى المذهب الطبيعي، ما كان يمنعه من الانخراط بشكل رسمي».

أما قصائده في مرحلة الشباب، فتشهد على التناقض الداخلي المتأصل في دواخله حتى نهايته، بين الإيمان المسيحي والثقافة الوثنية. في عام 1977، وقبل ذهابه إلى اليونان وايطاليا، كتب أوسكار وايلد «أحلم في تأمل القديس المقدس في الكنيسة الجديدة وأتعرف بالتالي طمأنينة الروح وسلامها.

وفي الوقت ذاته، فأنني أغير آرائي بسرعة كما أتنفس، وأنني الآن خائب الأمل بنفسي أكثر من أي وقت مضى. وإذا كنت قادراً على أن أتأمل بأن الكنيسة توقظ فيّ بعض الجدية والصفاء، فإنني سأتخلى عن ذلك.

والذهاب إلى روما يعني أن أضحي بإلهيّ الاثنين: الأموال والطموح». هذا المقتطف ينسف ما جاء به الفاتيكان إلا أن الكاتب يعود، ويناقض نفسه، في ذهابه إلى روما ومقابلة البابا.

وقام فيما بعد بتأليف أنشودة إلى السلطة الإلهية. وصرح فيما بعد، قائلاً «إنني لست كاثوليكياً ، بل مجرد بابوي عنيف، والكاثوليكية لا تخص سوى» القديسين والآثمين، والأنجليكانية تكفي الناس المحترمين».

ولكنه نشر مجموعته من الحكايات بعنوان «الذات العملاقة» الذي يستحضر السيد المسيح في عام 1888. وعلى الرغم من كونه رجلاً متوجاً وأباً عطوفاً إلا أنه لم يصبح قديساً بل كان فضائحياً في سلوكه مع زوجته.

عرف أوسكار وايلد النجاح الأدبي والغنى والتكريم، ومن بعد ذلك الفضيحة والمحاكمة، التي رفعها اللورد الفريد، والد عشيق الكاتب باعتباره كان ذو ميول مثلية. وعانى الويلات في السجن ولولا إعجاب أحد النواب بموهبته الشعرية والأدبية لما كان خرج من السجن ووفر له الكتب.

وهكذا استغرق في اعترافات القديس أوغسطين وتأملات باسكال، والكوميديا الإلهية، وحياة السيد المسيح، والقديس فرانسيس الأسيزي. وفي السجن تمكن الكاتب الايرلندي أن يكتب أعماله الأخيرة.

وتأثر كثيراً في هذه المرحلة بالصوفية المسيحية، وأعتبره بعض النقاد أمثال سلفاتور شيفر بمثابة وصيته الروحية. وقبل أشهر من وفاته، قام برحلة إلى ايطاليا، وزار روما لملاقاة ليون الثامن، ولكن ليس في جلسة خاصة بل في ساحة سان بيير. وعشية وفاته، عندما فقد القدرة على الكلام والوعي، قام صديقه روس، منم أخلص عشاقه، العثور على أحد القساوسة الكاثوليكيين لكي يقوموا بقداس على روحه.

يتحدث أوسكار وايلد، عن الشر الذي يستبطن الطبيعة البشرية، ولا وجود له خارجها، ولا يمكن فصل أدبه عن ميله إلى الانغماس في الشر، وإلى الانحلال الأخلاقي، والفساد السيكولوجي الذاتي، الذي يتطاول إلى أن يأتي على الطبيعة البشرية.

وعلى حياتها أيضا في روايته «صورة دوريان غراي» ومهما يكن من أمر، فإن امتزاج الرغبات بالأخلاق امتزاجها التام، يعني أننا أمام مشروع أخلاقي مثالي في معادلة إمكانية انتصار الرغبات على الأخلاق وعلى العقل تظل إمكانية قائمة. فالشهوات والملذات جميلة، ولكنها شريرة، وأبطال الرواية يعبرون عن اتجاه إرادي واحد.

الرسام بازيل هولوورد متيم بالجمال إلى أقصى حد ممكن، ودوريان غراي الشاب الذي يتمتع بالجمال والنضارة، قادر على إلهامه وعلى تسيير دفة طاقاته الإبداعية.

وهو ما يجعل الجمال ينطوي على بعده الماورائي، إلا أن الرسام بازيل هولوورد يظل قادرا جزئيا على عرقلة اندفاعه وولهه، ومن ثم على تقديم النصائح للشاب الجميل دوريان غراي، كي يظل نظيفا وطاهرا، ويتجنب الوقوع تحت تأثير اللورد الشرير هنري ووتون الذي هو المسار الإرادي الرغبوي الشرير الذي يستحوذ على مقدرات دوريان غراي.

واللورد هنري ووتون في رواية «صورة دوريان غراي» هو الأمير الشرير الشقي، الذي يقدم النصائح للشاب الجميل دوريان غراي، كي ينزلق إلى درك الرذيلة، أي إلى المجون والعربدة والعبث.

وفي مقابل هذه الرواية، وما تنطوي عليه من إشكاليات مهمة، نجد أن قصة أوسكار وايلد التي حملت عنوان «الأمير السعيد »تعبر عن النقيض، أي عن الخير، تعبيرا تاما، وعلى خلاف هنري ووتون، فإن الأمير السعيد في هذه القصة، ينطوي على شخصية نقيضه هنري ووتون. وهو يطلب إلى السنونو الطيب القيام بأعمال الخير والبر، كرمز ملائكي.

وفي هذه المرحلة الثالثة من حياة أوسكار وايلد الأدبية، تأتى مسرحيته المهمة الدلالة «أهمية أن يكون المرء جادا»، وفيها يجسد عودة الابن الضال إلى مملكة الفضيلة، حيث تسود البراءة والطهارة والنقاء، وحيث تتمكن الفضائل الأخلاقية من احتواء الرغبات السيكولوجية التي تستبطن الظاهرة الحياتية، والتي تنطوي عليها النماذج البشرية.

سيرة عاصفة

ولد في دبلن بإيرلندا في 16 أكتوبر عام 1854، درس في جامعة أوكسفورد وتخرج فيها عام 1878 وحصل على مرتبة الشرف وخلال دراسته الجامعية ظهرت موهبته الأدبية وبراعته في قرض الشعر وحصل على عدة جوائز كبرى.

واصل إنتاجه الأدبي شعرا ونثرا ونشر عدة مقالات ودراسات في الصحف الشهيرة ونشر مجموعة من القصص منها الأمير السعيد وقصص أخرى عبر فيها عن ميوله الرومانسية، وظهرت أول مجموعة من القصائد التي كتبها في سنة 1881.

نشر روايته الشهيرة صورة دوريان غري عام 1891 وحازت على شهرة واسعة وفي نفس العام كتب مسرحيته التراجيدية «سالمي» باللغة الفرنسية وقد منعت هذه المسرحية في البداية لاحتوائها على شخصيات ذكرت في الإنجيل ثم سمح بنشرها بعد ترجمتها إلى الإنجليزية.

شاكر نوري