الرصيف: الشاهد الغفل من الاسم، إذ لا حركة تكون في الشارع إلا من خلال أعين« آلية» وغيرها تحتل مواقعها على الرصيف، أو من خلال وجود الرصيف، لا حركة يشهدها هذا إلا ويدقَّق فيها من خلال تصرفات المارة

يكون الرصيف في حالة كمون، أما الذي ينقله إلى حالة الفعل فهو وجود الشارع أكثر من غيره، إذ يوجد الرصيف البحري، وهذا استثناء يربطه بالبحر، فالرصيف مفهوم عام، مختلَفٌ عليه في طريقة امتداده أو تشكيله أي رصفه، ولكنه في المجمل ذو نسَب مديني، إنما تحت ظلال الشارع، أي يلاصقه.

الشارع يقسّم المدينة إلى أسواق، ومطاعم، وأحياء مختلفة ومواقف سيارات، وفنادق، وحدائق وساحات...الخ، أما الرصيف فيتبع نظام التقسيم المديني للشارع وتفرعاته، وقد يتخلف عنه.

حيث يعجز عن مجاراته، فالشارع عصب اتصال ويخضع للمراقبة المستمرة لأهمية ما يتحرك فيه، وهو معبَّد خصوصاً، ومقسَّم إلى خانات، تبعاً لتطور النظام العمراني للمدينة وموقعها وحاجاتها والقيّمين عليها وباعتباره ضرورة فارضة، بقدر ما يكون اتصالها بالعالم من خلاله، فيكون الطريق هذا الذي غالباً ما يتراءى بمعزل عن الرصيف، هذا الذي يجمع بين الضروري والكمالي، فهو يضيق ويتسع تبعاً لتقديرات خاصة:

ذوقية مكانياً واعتبارياً، اعتماداً على المعنيين بأمره وطبيعة النظام الاجتماعي والسياسي، ونظرته إلى الخدمات المختلفة المرتبطة بالشارع، هذا الذي لا ينعزل عما هو ثقافي بامتياز، واستجابته لحاجات متنوعة وللنمو السكاني ووسائل النقل والصرف الصحي، إذ يميل إلى الاتساع والتغيير في البنية والتعديل تبعاً لمتغيرات عالم المدينة، لكن الرصيف قد يتقلص لحساب الشارع مساحةً!

يبقى الشارع مرئياً من خلال الرصيف في تشكيله الهندسي، وبحسب طبيعة الشارع ومكانته وارتباطه بخاصية المدينة ومبانيها وموقع الأجهزة المتنفذة في الدولة وأولي الأمر فيها، فتكون الحركة التي يشهدها الرصيف مرتبطة بالموقع العام له، مثلما أن الموقع الخاص يضفي عليه قيمة دلالية عبر حساسية المكان.

إنها حركة محسوبة زمنياً في الليل والنهار، ويُنظَر في وضعها من خلال طبيعة المارة، أو المشاة، واللسان المقسّم للرصيف ذاته، لوجود وسائل نقل خاصة( الدراجات)، أو مستطيلات ترابية وأخرى عشبية لأغراض لها صلة بما هو خدمي في المجتمع، كما في المدن الكبيرة، لكأن الرصيف معترَف بأهميته الخاصة هذه أحياناً، من خلال المرئي فيه.

وهو يقودنا إلى طبيعة السكان ونوعية اهتماماتهم والمشرفين على النظام الهندسي الاجتماعي للمدينة، خلاف الشارع الذي قد لا يعرّفنا بالعلامة الفارقة للمدينة وأهلها، مهما بدا وساعةَ وتخطيطاً ودقة إشارات مرورية.

في الرصيف ثمة ما يقرّبنا مباشرة مما هو موجود ومتفاوت في جسم المدينة السياسي والاجتماعي، وذلك من جهة الاهتمام بقاعدة المجتمع الحركية، وكيفية انتقال المارة، والأسهم التي ترسم خطوط اتصالاتها الخاصة ذات الصلة بتنظيم مرور المقيمين وتسهيل انتقالهم، ونوعية وشائج القربى بين الرصيف والشارع فصلاً ووصلاً.

ليس الرصيف هامشاً للشارع إذا جاز اعتبار الأخير متناً، المقارنة بينهما تتطلب الدقة وهي تتجاوز النظرة الخارجية للمكان الذي يتقاسمه الاثنان وبتفاوت، لكن الربط ضروري نظراً لتداخل الوظائف الممكن تقصّيها، سوى أن ثمة غموضاً يتلبس الرصيف وطريقة إخضاعه لمراقبة من نوع آخر.

كون مخالفاته تختلف عن مراقبات الشارع، فلا شارة مرورية تنظم حركة المارة وطبيعة تحركاتهم، إن ذلك يعود إلى مدى رقيّهم وفهمهم لنوعية الخدمات التي يوفّرها أو يلبيّها الرصيف كما لو أن إشارات المرور المرئية تبحث عن نظائر لها ومن نوع آخر، في رؤوس المارة ورقيهم الاجتماعي وأخلاقيات المكان، وحسّهم المتقدم ذوقياً في العمر والجنس والعلاقة.

الرصيف يحتفظ بوظائف قلَّما يتنبَّه لها، إنه الداخل في التأويل رغم كل المدى المنظور في وجوده المديني.

الرصيف: الشاهد الغفل من الاسم، إذ لا حركة تكون في الشارع إلا من خلال أعين» آلية» وغيرها تحتل مواقعها على الرصيف، أو من خلال وجود الرصيف، لا حركة يشهدها هذا إلا ويدقَّق فيها من خلال تصرفات المارة.

ليس الرصيف بريئاً كامل البراءة، لحظة الحديث عنه، باعتباره خدمياً فقط، إذ المدينة تسنِد إليه أكثر من دور يتجاوز حدود الممكن اكتشافه مباشرة، فثمة ما يخص السلامة الاجتماعية والمرورية ذاتها، وثمة ما يتحسَّب له، من خلال الحشد المروري أو السائرين عليه عبر حركات مشبوهة، ومن قبل أعين أخرى ( في الخلف).

الرصيف يتخوَّف منه نظراً لتعدد أدواره، ولهذا يسهل السؤال عن الرصيف وهو يختلف لوناً أو طريقة تنفيذ أو مساحة أو ارتفاعاً تبعاً لموقعه، إنه التخوف الذي ينفتح على اللامفكر فيه من قبل كثيرين في المدينة، يقدّره المعنيون بالنظام وجانب الانضباط، إن له مناخاً ثقافياً خاصاً لحظة النظر في أشكاله وصور تخريجه.

حيث تأتي طبيعة الحركة: سرعة وبطئاً، السير باستقامة أو بالتفاتة، أو استمرار السير لمسافة معلومة، والتوقف...الخ، من خلال طبيعة الرصيف ذاته، فنحن داخلون في حسابات مقامات عمرانية ومدينية، تستوجبها بنية المدينة.

وما يدخل في عداد خصوصيات الأمن الاجتماعي، والموقف منه، والذين يكونون على علم بتعددية أدوار الرصيف هم الأقدر على تفهم لغة المدينة الصائتة والصامتة، كما هو النص السهل القراءة إنما الشائك برموزه، والرصيف ليس أكثر من رمز حي متعدد الوظائف، ربما لا يعلم بها إلا من أوتي معرفة نافذة بالمدينة وخرائطها الفنية!

إبراهيم محمود