بعد أن كرّس الكاتب الأميركي سكوت دونالدسون كتابين لسيرة حياة اثنين من أكبر الأدباء الأميركيين وأكثرهم شهرة وهما ارنست همنغواي وسكوت فتزجيرالد وكتاب عن ودّهما الذي انقطعت أواصره، يعود اليوم للحديث عنهما معا في كتاب جديد تحت عنوان «فتزجيرالد وهمنغواي، الأعمال والأيام».
ويؤكّد المؤلف أن أحد الأحداث الكبرى، إن لم يكن الحدث الأكبر، في حياة فيتزجيرالد هو زواجه من الجميلة «زيلدا». ذلك أنه بفضل الجهود التي بذلتها إلى جانبه استطاع أخيرا أن يكسب ما يستطيعان العيش منه عبر الكتابة، رغم إسرافه. وعرف آنذاك أيضا أولى نجاحاته الأدبية، خاصة في مجموعة قصصه «أطفال الجاز» وحيث جسّد هو وزيلدة ما أسماه ب«عصر الجاز».
ومن نقاط التقاطع بين مسيرة حياته ومسيرة حياة ارنست همنغواي هو أنهما أقاما، كليهما، في العاصمة الفرنسية باريس. لقد كانت تلك هي سنوات اللهو والشرب والفوضى والمال السهل. وفي فرنسا أنجز فتزجيرالد روايته الشهيرة «غاتسبي الرائع» التي يؤكّد سكوت دونالدسون على بروز النزعة الماديّة فيها
وفي الوقت التي انفجرت فيه الأزمة المالية والاقتصادية الأكبر في حياة الرأسمالية في عام 1929 كان فتزجيرالد وزوجته زيلدا يعيشان في منطقة «الكوت دازور» بجنوب فرنسا. وفي الفترة نفسها بدأت أزمة الانهيار العصبي لدى زيلدا ووجدت نفسها في أحدى المصحّات النفسية في سويسرا حيث كتبت هي نفسها رواية بعنوان «امنحني هذه الرقصة».
وبعد العودة إلى أميركا كتب فتزجيرالد عمله الشهير «لطيف هو الليل».لكن هذا العمل، رغم جماله، لم ينل أي نجاح على مستوى البيع فتحوّل فتزجيرالد لكتابة السيناريو في هوليود.
لكنه كان قد فقد قدرة التمتع بأيامه فالحياة، كما كان يشرح منسوجة من أحداث لا يستطيع البشر السيطرة عليها. وينقل عنه المؤلف قوله: «هناك نوع آخر من الضربات التي تأتي من الداخل والتي ربما يتولاّك الإحساس أنه لم يتأخر الوقت كي تفعل شيئا ما، وذلك حتى اللحظة التي تدرك فيها في النهاية أنك لن تغدو أبدا إنسانا جديدا».
لكن ما فرّق فعليا بين مساري الكاتبين هو أنه في الوقت الذي كان فيه فيتزجيرالد ينطوي على نفسه وتدور حياته على مشاكل حياته الخاصة و«يهرب» منه القرّاء كانت شهرة ارنست همنغواي تكبر وتتعاظم. وكان همنغواي قد كتب لناشره ماكسويل بيركينز «عن شكوى فتزجيرالد أمام الملأ كإشارة إلى وضعه النفسي المأزوم بينما كان هذا الأخير قد حثّ الناشر نفسه، قبل سنوات قليلة، كي ينشر رواية «ثمّ تشرق الشمس» لأرنست همنغواي. بل لم يجد همنغواي غضاضة في خدش مشاعر «صديقه القديم» في رواية «ثلوج كلمنغارو» التي جرى نشرها عام 1936.
يبدو هذا الكتاب بالدرجة الأولى بمثابة إطلالات سريعة على مسيرة الكاتبين الأميركيين الكبيرين مع التقيّد بالتسلسل الزمني.
هكذا يتم تكريس 13 دراسة لهمنغواي و11 دراسة لفتزجيرالد. وعبر الفصل بين «بطليه» يلقي المؤلف الضوء عليهما، وعلى علاقتهما المتشابكة والزاخرة بالتناقضات أفضل مما فعله سكوت دونالدسون في الكتاب الأول المشترك عنهما ك«ثنائي» وتحدّث فيه عن «صعود وسقوط صداقة أدبية».
ويبيّن دونالدستون بالمقابل إلى أية درجة كان الرجلان يؤمنان ب«القضايا الخاسرة» على خلفية قناعتهما أنها «عادلة». وفي دراسة حول رواية همنغواي «لمن تقرع الأجراس» يقارن بين تجربة همنغواي في الحرب الأهلية الإسبانية رغم إدراكه العميق أنها خاسرة في نهاية المطاف وبين فتزجيرالد الذي كان يرى أنه من الجميل ومن استقلال الموقف الانحياز إلى قضيّة يمكن للإنسان أن ينقذ من خلالها قضيّته.
وكان فتزجيرالد مولعا أيضا ب«شعر الهزيمة». ثمّ إن رائعته «غاتسبي الرائع» كانت في صميمها «مرثاة» للحلم الأميركي الضائع وقد مثّل بطلها، ابن الوسط الفقير الذي لاقى نجاحا كبيرا وعابرا بالوقت نفسه، نقدا لنموذج المجتمع الأميركي القائم أساسا على المال وحده.
والفشل، مثل الحلم، مجبول في عجينة كل نصوصه. وفي جميع نصوصه أيضا تتردد المواضيع التي سكنته باستمرار وعلى رأسها الحب والمال والحلم الأميركي «الضائع».
وكان همنغواي، رغم قسوته في بعض الأحكام على صديقه القديم، تصرّف في أحيان كثيرة وكأنه الوصي عليه. لقد كان إلى جانبه دائما في المواقف الصعبة، خاصّة عندما كانت زوجته زيلدا تثير مكامن وجعه. وينقل سكوت دونالدسون عن همنغواي وصفه لصديقه بـ «الفراشة الجريحة».
المؤلف في سطور
سكوت دونالدسون هو أحد أكبر كتّاب السيرة الأدبية الأميركيين المعاصرين. ونال عدّة جوائز على كتاباته الأدبية. من مؤلفاته: «شاعر من أميركا: وينفيلد سكوت تاونلي» و«حياة وأعمال ارنست همنغواي» و» حياة وأعمال سكوت فيتزجيرالد» و«أدوين روبنسون: حياة شاعر» و«فيتزجيرالد ضد همنغواي: قصّة صعود وسقوط صداقة أدبية»...الخ.
الكتاب: فتزجيرالد وهمنغواي
تأليف: سكوت دونالدسون
الناشر: جامعة كولومبيا 2009
الصفحات: 520 صفحة
القطع: المتوسط
Fitzgerald and Hemhngway , works and days
Scott donaldson
Columbia Univershty press 2009
520P.
