«تاريخ إفريقيا منذ البدايات حتى اليوم» هو كتاب موسوعي لا مثيل له حتى الآن في اللغة الفرنسية عن تاريخ القارة الإفريقية وهو ثمرة ثلاثين عاما من الخبرة الميدانية في العديد من البلدان الإفريقية ومن البحث في الأراشف ال+دولية.
ويدرس برنار لوغان عامة في كل مرحلة تاريخية، وبالتوازي، تاريخ شمال إفريقيا وتاريخ إفريقيا جنوب الصحراء، أي إفريقيا السوداء. ويبيّن كيف أن التبدلات المناخية قد ساهمت إلى حد كبير في صياغة خريطة التوزع السكاني وفي ظهور المجتمعات والدول، خاصة في مصر خلال الحقبة الفرعونية. كما تتم في هذا السياق دراسة أشكال التدخل الخارجي التي عرفتها القارة والتي كان الفتح العربي في عداد الأولى منها وصولا إلى الاستعمار الأوروبي لإفريقيا ومرورا بفترة تجارة العبيد.
ويركّز المؤلف بالنسبة للفترة التاريخية الحديثة التي أعقبت نهاية الاستعمار لإفريقيا على وضع القارة خلال فترة الحرب الباردة ثم الانتشار «المتواضع» الذي عرفته القارة ووصولا إلى استيقاظ مشاعر الانتماء القبلي والاثني وما ترتب عليها من مجازر، كانت تلك التي عرفتها رواندة ومنطقة البحيرات الكبرى من بين أكبرها.
ويتمثل الخط الناظم للتحليلات الذي يتبعه المؤلف في القول أن التاريخ الإفريقي بمجمله تقريبا هو نتاج سلسلة من الصدامات التي عرفتها شعوب القارّة على مستوى الداخل ودائما على قاعدة الانتماءات الاثنية والقبلية التي استطاعت أن تقاوم الزمن وتستمر منذ الحقب القديمة حتى اليوم. ولكن أيضا الصدام مع نماذج «خارجية» عن القارة هدف الذين كانوا وراءها إلى فرضها.
ويرى برنار لوغان أن الأزمات الحالية التي تعاني منها القارة الإفريقية بشمالها وجنوبها، ومن ساحل العاج إلى كينيا ومن الجزائر إلى جنوب إفريقيا ومن السودان إلى رواندة تندرج كلها في إطار ما يسميه ب«المدى الطويل».
وهذا المفهوم يستعيره بوضوح من المؤرخ الفرنسي الشهير «فرنان بروديل»، أحد مؤرخي مدرسة الحوليات ـ المدرسة الفرنسية الجديدة لكتابة التاريخ ـ وصاحب هذا المفهوم. كما يؤكد في نفس السياق أن فهم الأزمات الراهنة في إفريقيا يتطلب بالضرورة فهم «الحقائق الإفريقية العميقة» وعدم الاكتفاء بمقولات «أصحاب المصالح» الأوروبيين الذين «يجيّرون» التاريخ لمصالحهم.
ويؤكد المؤلف على الدور الهام الذي ترتب على اعتناق شعوب شمال القارة الدين الإسلامي خلال العقدين السابع والثامن الميلادي. ويعتبر أن ذلك التحوّل ساهم في تعميق التباين في نمط العيش بين بلدان شمال القارة وبلدان جنوب الصحراء بشكل عام. واعتبارا من تلك الفترة اتجهت بلدان شمال إفريقيا الواقعة أيضا على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط نحو الشرق مبتعدة إلى حد كبير عن جنوب القارّة متخذة منحى تاريخيا جديدا بالوقت نفسه.
لكن التبدل الأكبر والأقرب زمنيا في تاريخ هذه القارة يحدده برنار لوغان بالفترة الاستعمارية التي «غيّرت» الكثير من الموازين ومن مراكز القوى الإفريقية على مدى قرن من الزمن بأقل تقدير.
وكانت مرحلة «الاستقلال الوطني» هي الرد في اتجاه معاكس حيث عرفت القارة الإفريقية اعتبارا من عقد الستينات المنصرم موازين قوى داخلية جديدة. وفي الوقت الذي كانت فيه الفترة الاستعمارية بمثابة «سجون للشعوب» من حيث الحدود بينما أن «الحدود الحقيقية الإفريقية تتناظر مع حواجز طبيعية تقسم القارة إلى مناطق».
وبالتوازي مع التقسيم الاستعماري وجدت القارة الإفريقية نفسها تعيش تاريخ آخر غير تاريخها أثناء فترة الحرب الباردة. ذلك أن شعوبها وجدت نفسها هي الأخرى أسيرة منطق الانحياز لهذه الكتلة أو تلك.
ولم تنه الفترة التي أعقبت نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي والتي يسميها المؤلف بفترة «الديمقراطية القسرية» عوامل الشقاق الإفريقي النوعية ذات الطبيعة الاثنية والثقافية والعقائدية قبل أن تكون ذات طبيعة اقتصادية «مثلما أكّد الماركسيون ودعاة الاقتصاد»، كما يشير المؤلف.التطور الأخير الذي يؤكد عليه برنار لوغان في التاريخ الإفريقي هو التطور الراهن المستوحى من «فلسفة عصر التنوير والعقد الاجتماعي والديمقراطية وحقوق الإنسان، الخ»، أي محاولة النجاح بتحقيق ما لم تحققه الحقبة الاستعمارية.
المؤلف في سطور
برنار لوغان مؤرخ فرنسي مختص بتاريخ القارّة الإفريقية، وهو يقوم بتدريس هذا التاريخ في جامعة ليون الثالثة منذ عام 1983 وكان قد درّس قبلها في جامعة رواندة خلال سنوات 1972-1983، وهو خبير لدى محكمة الجنايات الدولية المختصة برواندة ؛ من كتبه «تاريخ المغرب» و«تاريخ مصر» و«تاريخ رواندة» و«تاريخ جنوب إفريقيا»، الخ.
الكتاب: تاريخ إفريقيا منذ البدايات حتى اليوم
تأليف: برنار لوغان
الناشر: ايللبيس باريس 2009
الصفحات: 1243 صفحة
القطع: الصغير
Histoire de l'Afrique, des origines à nos jours
Bernard Lugan
Ellipse - Paris - 2009
1243P.
