يكثر الحديث في السنوات الأخيرة عن الأخطار التي يواجهها العالم اليوم والتي ليس أقلها تلوّث البيئة وظاهرة الاحتباس الحراري. وتتباين الآراء حول مدى جديّة هذه الأخطار وخاصة حول مدى تهديدها. وفاكلاف سميل المعروف بكتاباته العلمية يبحث في «كوارث واتجاهات عالمية للخمسين سنة القادمة»، كما جاء في عنوان كتابه الأخير.

ويحاول فاكلاف سميل أن يقدم رؤيته «العلمية» بالاعتماد على المعطيات المتوفرة حول ثلاث مسائل أساسية. المسألة الأولى تخص الأماكن التي يُحتمل أن تنشب فيها كوارث مفاجئة خلال العقود الخمسة القادمة. والثانية محاولة التعرف على التوجهات الجارية والآليات التي يمكن تؤثر فيها بصياغة «العالم الجديد» القادم. أما المسألة الثالثة والأخيرة فتتحدد في التوجهات العالمية على مستوى البيئة وضرورة أن تخفف المجتمعات من أضرارها.بالطبع يؤكد المؤلف أنه لا يمكن لأحد أن يعرف ما يخبئه المستقبل، فالكثير من الأحداث التي استجدت في العالم وفي الطبيعة لم يكن أحد قد تنبأ فيها من قبل.

لكن هذا لا يمنع واقع أن المجتمعات أصبحت تمتلك قدرا أكبر من الإحصائيات ومن المعلومات وبالتالي من القول ب«احتمالات» مستقبلية. ويدقق فاكلاف سميل القول إنه يقول «الحقائق» كما يراها حسب المعلومات الرياضية والعلمية ومختلف المؤشرات الأخرى.

ويتعرض فاكلاف سميل طويلا لمسائل متنوعة في منظور المستقبل القادم، وهي مسائل سيكون لها تأثيرها بالنسبة للجميع وهي تتراوح من أفق الانحدار الاقتصادي، والسياسي، الذي ينتظر الولايات المتحدة والقول بإمكانية حدوث نزاعات يمكن أن تكون بلدان إسلامية مسرحا لها، وفي مقدمتها باكستان، بعد أفغانستان.

ومثل مسألة «شيخوخة السكان» التي ستواجهها بحدة بعض البلدان في السنوات الخمسين القادمة وخاصة في البلدان المتقدمة وفي مقدمتها روسيا التي تدل الإحصائيات المقدّمة أنها ستعدّ حوالي 100 مليون نسمة فقط في أفق عام 2050.

ويركز المؤلف على القول إن التبدلات الأساسية تحدث بطريقتين: فإما تحدث «قطيعة» مفاجئة في الاستمرارية التاريخية ككوارث طبيعية تشير دائما إلى أن العالم في حالة تبدّل مستدام، وإما أن يحدث التبدل بصورة تدريجية، وهذا ما يقصده المؤلف ب«التوجهات».

والكوارث العالمية التي يقصدها المؤلف تشمل التفجرات البركانية والأوبئة الفيروسية والحروب والهجومات الإرهابية على نطاق واسع. أما التوجهات التي يمكن تدريجيا إلى كوارث، فهي ذات طبيعة ديموغرافية واقتصادية وسياسية، أو ربما تتعلق بالبيئة.

لكنها كلها يتم التبدّل فيها تدريجيا ويحتاج إلى زمن.وإذا كان فاكلاف سميل يذكر بداية بعض الأحداث «النادرة» التي يمكن مصدرها هو الطبيعة أو البشر، فإنه يركز على التوجهات ذات الأهمية العالمية ومن بينها التطورات السياسية في أوروبا واليابان وروسيا والصين والولايات المتحدة والعالم الإسلامي. ومن التوجهات «المنذرة» أفق المعركة من أجل التفوق العالمي. وتوجه آخر يراه المؤلف «منذرا» هو الآخر ويحدده في تعاظم حدّة التفاوت وعدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية بين الأمم وداخل الأمم نفسها.

لكن يبتعد المؤلف تماما عن تلك «الصرخات» التي تعد العالم بأسوأ مستقبل. ولكنه لا يتنازل بالمقابل عن «الصرامة العلمية» في تقدير الكوارث «الممكنة» وفي توصيف التوجهات الراهنة. هذا إلى جانب تقدير صعوبات «إدارة» الأزمات إنسانيا مع التأكيد أن «حروب التبدّل» قد بدأت.

وينقل فاكلاف سميل الحديث عن «توجهات»، ذلك بغية الابتعاد عن تلك المقولات القاطعة حيال المستقبل. مثل تلك التي شاعت في سنوات السبعينات وأكدت أن الطاقة النووية ستحل محل الطاقة التقليدية من بترول وفحم وغيرهما في أفق عام 2000.

«كوارث واتجاهات عالمية للخمسين سنة القادمة» كتاب لا يندرج في سياق موجة «الذعر» من المستقبل، ولا في موجة «الغبطة» التي تعد فيها التكنولوجيات البشر. وبدلا من هذين المنحيين يعتمد على دراسة المنظور التاريخي والاستفادة من دروس الماضي للقول أن فهم التبدلات التي يواجهها العالم سوف يساعد كثيرا على «تغيير اتجاه الميول السلبية السائدة كما سوف يساعد على «التقليل من خطر الكارثة».

المؤلف في سطور

فاكلاف سميل أستاذ في جامعة مانيتوبا الكندية، وهو معروف بكتاباته العلمية حيث نال عام 2007 على جائزة اوليفيا كوردبيرغ عن كتاباته العلمية. من مؤلفاته: «الطاقة في الطبيعة والمجتمع» و«الطاقة على مفترق الطرق: الآفاق العالمية وأشكال عدم الاستقرار»، الخ.

الكتاب: كوارث واتجاهات عالمية: الخمسين سنة القادمة

تأليف: فاكلاف سميل

الناشر: ميت برس كمبردج 2008

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط

Global catastrophes and trends: the next 50 years

Vaclav Smil

Mit Press- Cambridge 2008

320 P