هل هناك علاقة بين الفن والثقافة بالمعنى الأعمّ والأوسع، وبين الحرب والإرهاب؟ هذا السؤال هو الذي يطرحه «اليكس دانشيف»، في كتابه «حول الفن والحرب والرعب».

ومثل هذا السؤال يجد صداه في العديد من الأدبيات التي عرفها النصف الثاني من القرن العشرين. ويحاول المؤلف أيضا أن يبيّن كيف أن الفن يمكنه أن يقدّم توصيفا لحياة البشر وإعادة صياغتها وتصوّرها وإعادة اختراعها. وهذا ما يتواجد في الكتب عن الحرب والأفلام السينمائية عن الحرب وفي قصص الحروب ويوميات الحروب. هكذا أبدعت المخيلة البشرية الكثير من الأعمال الأدبية والفنية التي كانت الحربان العالميتان الأولى والثانية مادتها الأولى.كذلك يطرح المؤلف الكثير من التساؤلات حول المسائل الدقيقة المتعلقة بالشرعية السياسية وبالسلطة الأخلاقية والحس المدني والشرف والضمير. هذه الأمور كلها هي مواضيع يمكن للمخيلة البشرية أن «تعمل» عليها و«تحويلها» و«إعادة اختراعها» فنيا وأدبيا. المطلوب هو «وضع المخيلة في حالة عمل» وليس في حالة «بطالة».

ويتحدث اليكس دانشيف عن «الحرب ضد الإرهاب» وكيف أن الوقت لا يزال مبكرا كي يقدم الفن «روائع» في هذا المجال. ويتساءل عما إذا كان لا بد من الانتظار عشر سنوات ك«فترة ضرورية للنضج».

ويذكر في هذا الصدد العمل الذي قدّمه «ارول موريس» الذي يمثل بالدرجة الأولى تحقيقا حول عمليات التعذيب وإساءة استخدام السلطة التي عرفها سجن «أبو غريب» في العراق. وكانت نقطة القوّة في العمل المعني هي المقابلات التي أُجريت مع بعض عناصر الشرطة العسكرية، الذي عملوا في ذلك السجن. ويعتبر دانشيف أن عمل «موريس» يجد صداه في فيلم رعب خيالي لترومان كابوت تحت عنوان «دم بارد».

ويعتبر اليكس دانشيف أن الفن يجعل البشر أكثر قدرة على مقاومة الانسياق وراء العنف ذلك أنه، أي الفن، يزيد من الحساسية الإنسانية لدى البشر وبالتالي لتحسسهم حيال قضايا الآخرين. وهو يستعير من الشاعر «دبليو ه. اودين» قوله: «لا أعرف إذا كانت مثل هذه الحساسية ـ عبر الفن ـ تجعلنا أكثر أخلاقية أو أكثر فعالية. وأعتقد أن ذلك يجعلنا أكثر إنسانية وأنا على ثقة أنه يجعل من الصعب خداعنا».

ومن الواضح أن اليكس دانشيف يعتبر الفنان «داعية أخلاقيا» بالتعريف وبحكم «المهنة» التي يمارسها. إنه لا يقول ذلك للآخرين بصورة مباشرة ولكنه يمهّد الطريق نحو تغذية ملكة الحساسية وبالتالي يدفع نحو ممارسة سلوكيات مختلفة أكثر ابتعادا عن العنف. و«التصرف بطريقة أخرى» يمثل أيضا أحد أهداف الفن. بل وأحد مهماته الأساسية، كما يشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات.

«إنه ـ أي الفن ـ يدفعنا إلى التفكير والتفكير من جديد» كما نقرأ. و«الفن هو الصيغة الأعلى للأمل»، كما ينقل المؤلف عن المصوّر الألماني «جيرهارد ريشتر» الذي كان قد قدّم مجموعة من الصور للمنظمة الإرهابية «بادر ما ينهوف» في ألمانيا خلال سنوات السبعينات المنصرمة.

ومن الرسّامين الذين يتحدث عنهم اليكس دانشيف طويلا في كتابه «جورج بروك» الذي يعتبره من أفضل الفنانين، بالنسبة له، والمعروف أنه كان من أصدقاء بيكاسو التكعيبيين ولكن أيضا من منافسيه. ويعتبر أن أعمال براك هي نموذج ل«الأصالة» في الفن وفي الحياة.

وهذه «الأصالة»، بمعنى عدم التزييف، يجدها أيضا وسيلة النجاح، بل «مفتاح النجاح» في السياسة، خاصة على المدى الطويل. وهي دواء ناجع لعدم ولوج طريق العنف والحرب. ويجدها أيضا الورقة الرابحة الأكبر التي لعبها باراك اوباما في مواجهته لهيلاري كلنتون أثناء معركة اختيار الحزب الديمقراطي الأميركي لمرشحه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

ومن خلال العودة إلى مسيرة وسيرة كتاب ومبدعين وسياسيين ـ من تشرشل حتى توني بلير وجورج دبليو بوش ـ يرى اليكس دانشيف أن هؤلاء «حاربوا دون أن يحبوا الحرب بالضرورة»، كما جاء في جملة لاندريه مالرو عن أحد الجنود.

المؤلف في سطور

اليكس دانشيف هو أستاذ للعلاقات الدولية في جامعة توتنغهام. أولى اهتمامه باستمرار لدراسة العلاقة بين الفن والحرب والإرهاب، إلى جانب الاهتمام بكتابة السيرة السياسية. قدّم حوالي 50 كتابا من بينها «سيرة حياة الفيلسوف اوليفييه فرانك الذي اختارته «الاوبزرفر» البريطانية كأحد أفضل الكتب عام 1993.

الكتاب: حول الفن والحرب والرعب

تأليف: اليكس دانشيف

الناشر: جامعة ادنبورغ 2009

الصفحات: 256 صفحة

القطع: المتوسط

On art and war and terror

Alex Danchev

Edinburgh University 2009

256P.